رمضان والأمهات… تعب نفسي لا يراه كثيرون

0

في كثير من البيوت، يبدأ رمضان بالنسبة للأم قبل أذان المغرب بساعات طويلة. فبينما ينتظر باقي أفراد الأسرة لحظة الإفطار، تكون هي قد قضت جزءاً كبيراً من يومها في التفكير بما ستُحضّره للمائدة، وفي ترتيب المطبخ والوقوف أمام الموقد لساعات. وقد يبدو الأمر للبعض مجرد “روتين رمضاني” مألوف، لكنه في الواقع يخفي جانباً نفسياً مهماً لا يتحدث عنه الناس كثيراً، وهو التعب النفسي الذي تعيشه كثير من الأمهات خلال هذا الشهر.

فرمضان شهر روحاني يفترض أن يكون فرصة للراحة والتقرب من العائلة، غير أن الواقع في عدد من البيوت يجعل الأم تتحمل النصيب الأكبر من المسؤوليات. وغالباً ما تبدأ هذه المسؤوليات منذ الصباح، حين تفكر الأم في قائمة الطعام، وما الذي قد يفضله أفراد الأسرة، وما الذي ينقص من المطبخ. ومع اقتراب موعد المغرب، تتحول الساعات الأخيرة قبل الإفطار إلى سباق مع الوقت، خاصة عندما تكون المائدة مليئة بالأطباق المتنوعة التي أصبحت، مع مرور السنوات، كأنها قاعدة غير مكتوبة في بعض العائلات.

هذا الضغط اليومي لا يسبب تعباً جسدياً فقط، بل يخلق أيضاً إرهاقاً ذهنياً ونفسياً. فالدراسات في مجال الصحة النفسية تشير إلى أن الأعمال المنزلية المتكررة، خصوصاً عندما تتم تحت ضغط الوقت، قد تؤدي إلى الشعور بالتوتر والإجهاد، خاصة إذا كان الشخص يشعر بأن مجهوده غير ملحوظ أو غير مقدَّر. وفي رمضان تحديداً، قد تجد بعض الأمهات أنفسهن يقضين معظم اليوم داخل المطبخ، بينما ينتظر الآخرون لحظة الإفطار دون إدراك لحجم الجهد المبذول.

ومع ذلك، فالمشكلة ليست في الطبخ بحد ذاته، بل في الثقافة المرتبطة به. فكثير من الأمهات يشعرن بأن المائدة يجب أن تكون عامرة بعدد كبير من الأطباق حتى يرضى الجميع، وكأن نجاح الإفطار يقاس بتنوع الأكلات لا بجودة اللحظة العائلية نفسها. هذا التصور قد يحوّل رمضان، الذي يفترض أن يكون شهراً للسكينة، إلى مصدر ضغط يومي، خصوصاً عندما تكون الأم مسؤولة أيضاً عن أعمال أخرى في البيت أو حتى عن عمل خارج المنزل.

في المقابل، يؤكد كثير من خبراء التغذية والصحة النفسية أن مائدة رمضان لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. فوجبة بسيطة ومتوازنة كافية لتعويض الجسم بعد يوم طويل من الصيام. بل إن الإكثار من الأطباق قد يؤدي أحياناً إلى مشاكل صحية مثل عسر الهضم والشعور بالثقل بعد الإفطار. ومن هذا المنطلق، فإن تبسيط المائدة لا يخفف العبء عن الأم فقط، بل يفيد صحة العائلة بأكملها.

وهنا يبرز دور العائلة في تقاسم المسؤولية. فرمضان ليس مهمة شخص واحد، بل مناسبة يعيشها الجميع. وعندما يشارك الأبناء أو الزوج في بعض الأعمال البسيطة، مثل المساعدة في إعداد المائدة أو ترتيب المطبخ، يتحول الأمر من عبء يومي ثقيل إلى نشاط عائلي مشترك. كما أن هذا النوع من المشاركة يعزز الشعور بالتقدير والدعم، وهو عنصر مهم جداً للحفاظ على التوازن النفسي للأم.

في النهاية، ربما حان الوقت لإعادة النظر في الصورة التقليدية للأم التي تعمل وحدها في المطبخ طوال رمضان. فالشهر الفضيل ليس سباقاً لإعداد أكبر عدد من الأطباق، بل فرصة للهدوء والتقارب العائلي. وعندما تشعر الأم أن مسؤوليات هذا الشهر تُتقاسم داخل الأسرة، وأن تعبها مفهوم ومقدر، يمكن أن يتحول رمضان فعلاً إلى شهر للسكينة والراحة للجميع، وليس فقط لمن يجلسون على مائدة الإفطار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.