غرفة الولادة ليست محكمة… بين الواجب المهني ونظرة المجتمع إلى الأمهات العازبات

0

في لحظة يفترض أن تكون من أكثر اللحظات إنسانية في حياة أي امرأة، تجد بعض الأمهات العازبات أنفسهن أمام نظرات ثقيلة وأحكام غير معلنة داخل فضاء يفترض أنه آمن ومحايد: المستشفى. فبدل أن يُستقبلن بالرعاية والطمأنينة، يواجهن أحيانًا مزيجًا من الوصم الاجتماعي والخوف، وأحيانًا الشك في إصابتهن بأمراض منقولة جنسيًا، فقط بسبب وضعهن الأسري.

بين البروتوكول الطبي والنظرة المسبقة

في الممارسة الطبية، توجد احتياطات قياسية تُطبق على جميع المرضى دون استثناء، لحماية الطاقم الصحي من أي عدوى محتملة. هذه الإجراءات لا تميز بين مريضة متزوجة أو عازبة، ولا بين حالة وأخرى. لذلك، فإن التعامل بحذر مبالغ فيه مع فئة معينة بدافع افتراضات اجتماعية لا يستند إلى أساس علمي، بل يعكس أحيانًا تصورات مسبقة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الطاقم الصحي جزء من المجتمع، ويتأثر بثقافته وأحكامه. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: هل يستطيع المهني الصحي أن يفصل بين قناعاته الشخصية وواجبه المهني؟

رأي من داخل غرفة الولادة

تقول إحدى الممرضات المولدات إن التعاطي المهني داخل بعض المستشفيات ليس دائمًا موحدا، موضحة:
“المرأة التي وقعت في خطأ مرة واحدة أو كانت ضحية ظروف معينة يمكن أن نتفهم وضعها. لكن عندما يتعلق الأمر بحالات متكررة أو بسلوك يُنظر إليه على أنه اختيار واعٍ. نحن نعامل الجميع مهنيًا، لكن لكل شخص قناعاته ونظرته الخاصة.”

هذا الرأي يعكس نقاشًا داخليًا صريحًا: فبعض المهنيين يعتبرون أن الامتناع عن الإهانة أو سوء المعاملة يكفي، حتى وإن ظلت النظرة الشخصية قائمة. لكن السؤال الأعمق هو: هل النظرة وحدها، حتى وإن لم تتحول إلى إساءة مباشرة، قد تترك أثرًا نفسيًا على المريضة؟

بين الحق الشخصي والواجب المهني

قد يرى البعض أن من حق أي شخص أن يحمل قناعته الخاصة أو نظرته الأخلاقية، لكن داخل المؤسسة الصحية، الأولوية تكون للحياد المهني. فالقانون وأخلاقيات المهن الصحية لا تميز بين “خطأ مرة” و”خطأ متكرر”، بل تتعامل مع المريضة باعتبارها إنسانًا يحتاج الرعاية والحماية.

المستشفى ليس امتدادًا للمجتمع في أحكامه الأخلاقية، بل فضاء للعلاج. ودور القابلة أو الممرضة هو ضمان سلامة الأم والرضيع، لا التحقيق في خلفياتها الاجتماعية.

الأثر النفسي لتجربة الولادة

تجربة الولادة لحظة شديدة الحساسية، وأي توتر إضافي أو شعور بالرفض قد يضاعف هشاشة المرأة النفسية. الدراسات تؤكد أن الدعم الإيجابي خلال المخاض يقلل من المضاعفات ويحسن تجربة الولادة، بينما يمكن للمعاملة القاسية أو المتحفظة أن تترك أثرًا طويل الأمد، قد يصل إلى الاكتئاب بعد الولادة.

نحو ثقافة مهنية أكثر توازنًا

النقاش حول هذا الموضوع لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين المجتمع والطاقم الصحي، بل إلى فرصة لتعزيز:

  • التكوين في أخلاقيات المهنة وعدم التمييز

  • الدعم النفسي للمهنيين لتخفيف ضغط العمل

  • ترسيخ ثقافة الفصل بين القناعة الشخصية والسلوك المهني

في النهاية، تبقى الكرامة حقًا لا يتجزأ. وكل امرأة تدخل غرفة الولادة تستحق أن تُعامل أولًا كمريضة وأم، لا كحالة اجتماعية تخضع للتقييم.

غرفة الولادة ليست محكمة، والقابلة ليست قاضية… بل شريكة في استقبال حياة جديدة إلى العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.