المناوبة الليلية “القاتلة”: حين يتحول إنقاذ الأرواح إلى استنزاف لحياة الأطباء والممرضين
في ساعات الليل المتأخرة، حين تهدأ المدن وتغلق معظم الأبواب، يبقى باب المستشفيات مفتوحاً على مصراعيه أمام تدفق الحالات الطارئة. أضواء لا تنطفئ، أجهزة مراقبة تعمل بلا توقف، وخطوات متسارعة في الممرات… هناك تبدأ المناوبة الليلية للأطباء والممرضين، حيث يتحول الليل إلى نهار آخر لا يعرف السكون، وتُختبر فيه قدرة الجسد على الاحتمال حتى أقصاه.
داخل أقسام الاستعجالات والعناية المركزة، لا يشبه الليل ما هو خارج أسوار المستشفى. طبيب مناوب يركض بين الحالات، يوازن بين قرارات عاجلة قد تمس حياة إنسان في لحظات، وممرضة تتابع مؤشرات حيوية لا تسمح لها بالجلوس طويلاً أو حتى إغماض العينين. ومع مرور الساعات، لا يكون التحدي في ضغط الحالات فقط، بل في إرهاق جسدي وعقلي يتراكم بصمت.
المناوبة الليلية في القطاع الصحي ليست مجرد جدول عمل، بل نمط حياة مفروض. ساعات طويلة قد تمتد إلى أكثر من 12 ساعة، تتكرر بشكل دوري، وتفرض اضطراباً مستمراً في النوم واختلالاً في الساعة البيولوجية للجسم. ومع الوقت، تتسلل آثار هذا النمط إلى الجسد: إنهاك مزمن، ضعف في التركيز، اضطرابات في النوم والمزاج، وتراجع في القدرة على الاستجابة السريعة تحت الضغط.
ولا يقتصر هذا العبء على الأطباء وحدهم، بل يمتد إلى الممرضين والقابلات (المولدات) اللواتي يتحملن مسؤولية حساسة داخل أقسام الولادة، حيث لا تنتظر الحياة الجديدة توقيتاً مناسباً. هناك، قد تمتد المناوبة لساعات ثقيلة تتطلب يقظة دائمة واستعداداً كاملاً، رغم أن الجسد يكون قد استنزف طاقته إلى الحد الأقصى.
وقد أعادت هذه الإشكالية إلى الواجهة حادثة مؤلمة في الجزائر، حيث توفيت الطبيبة المقيمة خديجة منصوري (31 سنة)، المتخصصة في أمراض النساء والتوليد، خلال شهر ماي الجاري، إثر سكتة قلبية باغتتها بعد مناوبة عمل مرهقة. لم تكن وفاتها مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام، كشفت حجم الضغط الذي يعيشه الأطباء المقيمون، خصوصاً في أقسام الاستعجالات والتخصصات الحساسة، وأثارت تساؤلات واسعة حول ظروف العمل وحدود الاستنزاف المهني.
علمياً، تؤكد دراسات عديدة أن العمل الليلي المتكرر يرتبط بمخاطر صحية جدية، من بينها أمراض القلب، واضطرابات التمثيل الغذائي، وضعف المناعة، إضافة إلى آثار نفسية مثل القلق والاكتئاب. السبب في ذلك أن جسم الإنسان مبرمج بيولوجياً على النشاط النهاري والراحة الليلية، وأي خلل مستمر في هذا الإيقاع يترك آثاراً تراكمية يصعب تداركها مع الوقت.
ورغم هذه المخاطر، تبقى المناوبة الليلية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها داخل المنظومة الصحية، لأن المرض لا يلتزم بوقت، والطوارئ لا تنتظر الصباح. لكن هذا الواقع يفرض معادلة صعبة: كيف يمكن ضمان استمرارية الخدمات الصحية دون استنزاف الكوادر الطبية التي تحمل هذه المسؤولية الثقيلة؟
عدد من المهنيين في القطاع الصحي يدعون إلى إعادة النظر في تنظيم المناوبات الليلية، عبر تقليص عدد ساعات العمل، وتوفير فترات راحة كافية بين الحصص، وضمان توزيع أكثر عدلاً للمهام. كما تُطرح ضرورة تعزيز الطواقم داخل المستشفيات لتخفيف الضغط الفردي، خاصة في أقسام الاستعجالات والولادة والعناية المركزة.
كما تتجه بعض المقترحات نحو إدماج حلول تنظيمية وتقنية، مثل تحسين نظام التعويضات، وتطوير أدوات مساعدة تقلل من الأعمال الروتينية، إلى جانب توفير دعم نفسي منتظم للعاملين في هذا النمط الصعب من العمل.
في النهاية، تبقى المناوبة الليلية أكثر من مجرد دوام مهني؛ إنها اختبار يومي للقدرة الإنسانية على الصمود بين واجب إنقاذ الأرواح وحدود الطاقة الجسدية. وبين أضواء المستشفيات التي لا تنطفئ، يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: إلى أي مدى يمكن للجسد أن يستمر في هذا الإيقاع دون أن يدفع الثمن؟