إصلاح واسع يهز قطاع الصحة بالمغرب من الحكامة إلى الرقمنة وإعادة الهيكلة
كشفت معطيات متداولة عن ملامح ورش إصلاحي واسع تعيشه المنظومة الصحية بالمغرب، يرتكز على إعادة هيكلة القطاع، وتحديث آليات التدبير، وتسريع وتيرة الرقمنة، إلى جانب معالجة اختلالات الحكامة على المستويين المركزي والجهوي.
وحسب المصدر ذاته، فإن هذا الإصلاح يقوم على مقاربة شمولية تتجاوز التدخلات الجزئية، نحو إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة، بعد تراكم اختلالات هيكلية لسنوات طالت البنيات التحتية والموارد البشرية وأنماط التسيير وأنظمة المعلومات الصحية.
وتشير المعطيات إلى أن الوزارة انخرطت في ورش متكامل يمتد من إصلاح الحكامة إلى رقمنة القطاع، مروراً بإعادة تنظيم المستشفيات والعلاقة بين الإدارة المركزية والمصالح الجهوية، في محاولة لتجاوز ما وُصف بتراكم الأعطاب على مدى عقود.
في هذا السياق، يؤكد المصدر أن القطاع يعيش اليوم أحد أوسع أوراشه الإصلاحية، حيث يتم الاشتغال في الوقت نفسه على عدة مستويات، تشمل البنيات التحتية، والموارد البشرية، وأنظمة التدبير والمعلومات، بهدف إرساء نموذج جديد قائم على النجاعة والنتائج بدل التدبير التقليدي.
وكشف المصدر عن إنجاز تشخيص ميداني شامل شمل مختلف جهات المملكة، أنجزته فرق تقنية تضم حوالي 250 إطاراً، حيث تم رصد وضعية المستشفيات والمراكز الصحية والتجهيزات والموارد البشرية. وقد خلص هذا التشخيص إلى تحديد 91 مستشفى تعاني من اختلالات بنيوية متفاوتة، ما أدى إلى إطلاق برنامج استعجالي لإعادة التأهيل.
كما يجري في السياق ذاته تنفيذ برنامج لإعادة تأهيل حوالي 1400 مركز صحي على المستوى الوطني، لا يقتصر على الترميم فقط، بل يشمل إعادة توزيع التجهيزات، وتعزيز الموارد البشرية، وتحديث أساليب العمل داخل هذه المؤسسات الصحية.
وفي ما يتعلق بالرقمنة، تعمل الوزارة على إرساء منصة وطنية موحدة للمعطيات الصحية، بهدف تجاوز تشتت الأنظمة السابقة، وتمكين رؤية دقيقة وشاملة لوضعية القطاع. كما يجري تطوير “خريطة صحية وطنية ديناميكية” تسمح بتتبع وضعية المؤسسات الصحية بشكل مباشر، من حيث الجاهزية والاستقبال والتجهيزات.
وفي الإطار نفسه، تم إطلاق منصة وطنية لتدبير الشكايات تعتمد على مركز نداء متخصص، يتيح تتبع مسار الشكاية من تسجيلها إلى معالجتها، مع إمكانية تحليل المعطيات لرصد مناطق الخلل والتدخل بشكل استباقي.
كما شملت الإجراءات إحداث نظام وطني لتتبع سيارات الإسعاف عبر الأقمار الصناعية، يربطها بمركز قيادة موحد، مع تحديد أقرب مؤسسة صحية قادرة على الاستقبال، في إطار تنظيم أفضل لعمليات التدخل الاستعجالي.
وعلى مستوى تدبير الموارد البشرية والخدمات الاستشفائية، تعمل الوزارة على إعادة تنظيم خدمات الاستقبال والحراسة داخل المستشفيات، وتشديد المراقبة على الشركات المتعاقدة، مع اعتماد آليات رقمية لتتبع الشكايات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي ما يخص القطاع الخاص، تم اتخاذ إجراءات زجرية في حق عدد من المصحات المخالفة، بينها سحب اتفاقيات بسبب تجاوزات تتعلق بالفوترة أو عدم احترام مساطر التغطية الصحية، مع تعزيز آليات المراقبة والتتبع.
كما يشمل الورش مراجعة منظومة الدواء والصيدليات، من خلال تحديث الإطار القانوني وتعزيز مراقبة الأدوية، إلى جانب نقاش حول تنظيم التغطية المجالية للصيدليات، خصوصاً في ما يتعلق بالتوزيع غير المتكافئ بين المدن والمجالات القروية.
وفي ملف الموارد البشرية، تتجه الوزارة إلى اعتماد تحفيزات جديدة وتحسين ظروف العمل داخل القطاع العمومي، إلى جانب التفكير في مراجعة نظام التعويضات وربطها بالأداء، في إطار إصلاح شامل لمنظومة التدبير.
كما يواكب هذا الورش توسيع الجهوية الصحية عبر تعزيز صلاحيات المجموعات الصحية الترابية، بما يسمح بتدبير أكثر مرونة للموارد والتجهيزات داخل كل جهة، مع منحها قدرة أكبر على التدخل في الحالات الاستعجالية.
وفي مجال الصحة النفسية، تم تعزيز العرض الصحي عبر إحداث مؤسسات جديدة وتوسيع الطاقة الاستيعابية، في ظل خصاص كبير في هذا المجال. ويضم المغرب حالياً عدداً من المستشفيات والمراكز المتخصصة في الطب النفسي والإدمان، إلى جانب موارد بشرية تضم أطباء وممرضين متخصصين، مع تسجيل تحسن تدريجي في التكفل بالمرضى.
وخلص المصدر إلى أن الوزارة تواصل بلورة مخطط جديد لإعادة هيكلة القطاع الصحي، يأخذ بعين الاعتبار التوصيات الوطنية والدولية، وفي مقدمتها تقارير محاكم المالية ومعايير منظمة الصحة العالمية، بهدف إرساء منظومة صحية أكثر نجاعة وعدالة وجودة.