الوجبات السريعة وسرطان القولون المبكر في المغرب.. دراسة تكشف علاقة مقلقة بين الغذاء والإصابة لدى الشباب
كشفت دراسة علمية حديثة بعنوان “أنماط استهلاك الوجبات السريعة لدى البالغين المغاربة وعلاقتها بخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر” عن مؤشرات مقلقة تربط بين التحولات الغذائية المتسارعة في المغرب وارتفاع حالات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى فئة الشباب، في سياق يشهد تغيراً واضحاً في العادات الاستهلاكية وأنماط العيش.
فريق بحث متعدد التخصصات
أنجز الدراسة فريق بحث مغربي ضم كلا من غزلان بوزيني، وكريمة سمود، ومونية أمزرين، وعادل نجدي، وفاطمة الزهراء المرابط، مستفيدين من تكامل تخصصاتهم في مجالات التغذية، وعلم الأوبئة، والصحة العامة، والبحث السريري. ويعكس هذا التنوع المهني أهمية المقاربة متعددة الأبعاد لفهم العلاقة بين السلوك الغذائي وخطر الإصابة بالأورام.
ارتفاع عالمي في الإصابات المبكرة
تأتي هذه النتائج في ظل تزايد عالمي ملحوظ في معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى الأشخاص دون سن الخمسين، وهي فئة لم تكن تقليدياً الأكثر عرضة لهذا المرض. ويربط خبراء الصحة هذا المنحى بعوامل بيئية وسلوكية، في مقدمتها التحول نحو أنظمة غذائية غنية بالدهون المشبعة والسكريات المكررة واللحوم المصنعة، مقابل تراجع استهلاك الألياف والخضار.
تحولات غذائية متسارعة في المغرب
شهد المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة تغيرات واضحة في نمط التغذية، مع انتشار المطاعم السريعة وتزايد الإقبال على المنتجات الصناعية الجاهزة. وتمتاز هذه الأغذية بارتفاع محتواها من السعرات الحرارية، والدهون الحيوانية المشبعة، والسكريات البسيطة، والملح، في مقابل ضعف محتواها من الألياف والعناصر الواقية. ويرى مختصون أن هذا التحول ينعكس سلباً على صحة الجهاز الهضمي، ويُسهم في زيادة معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب، فضلاً عن بعض أنواع السرطان.
منهجية دقيقة وتحليل مقارن
اعتمد الباحثون منهجية “حالات وشواهد متطابقة”، وشملت الدراسة 308 أشخاص تم تشخيص إصابتهم بسرطان القولون والمستقيم، إلى جانب مجموعة مقارنة من الأصحاء. واستُخدم استبيان علمي معتمد لتكرار تناول الطعام (Food Frequency Questionnaire) لتقييم المدخول الغذائي بدقة، وتحليل أنماط الاستهلاك لدى المشاركين.
بلغ متوسط عمر المصابين حوالي 54.8 سنة، مقابل 54.6 سنة لدى مجموعة الشواهد. غير أن المعطى اللافت تمثل في كون 34.1 في المائة من الحالات المسجلة تعود لأشخاص تقل أعمارهم عن 50 عاماً، ما يعكس اتساع دائرة الإصابة المبكرة.
أرقام صادمة لدى فئة الشباب
أظهرت النتائج فروقاً كبيرة بين المرضى والأصحاء، خصوصاً في ما يتعلق باستهلاك الوجبات السريعة بين الشباب. فقد صرّح 59 في المائة من المرضى الشباب (الحالات المبكرة) بأنهم يستهلكون الوجبات السريعة بانتظام، مقابل نسبة لم تتجاوز 0.9 في المائة لدى الأصحاء ضمن الفئة نفسها.
وأبرز التحليل الإحصائي أن خطر الإصابة يرتفع بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يتناولون الوجبات السريعة أكثر من ثلاث مرات أسبوعياً، إذ يزيد احتمال الإصابة المبكرة بسرطان القولون والمستقيم بأكثر من تسعة أضعاف مقارنة بمن يستهلكونها نادراً أو لا يستهلكونها.
عوامل خطر إضافية وعوامل وقائية
لم تقتصر النتائج على الوجبات السريعة فقط؛ فقد رصدت الدراسة ارتباطاً واضحاً بين استهلاك الكحول وارتفاع خطر الإصابة، معتبرة إياه عاملاً مستقلاً ومؤكداً من عوامل الخطر.
في المقابل، برزت عناصر وقائية مهمة، إذ تبين أن الأشخاص الذين ينتمون إلى مستوى اجتماعي واقتصادي مرتفع كانوا أقل عرضة للإصابة، وهو ما قد يرتبط بنمط عيش أكثر توازناً وإمكانية أفضل للولوج إلى غذاء صحي وخدمات صحية وقائية.
كما أظهرت النتائج أن الاستهلاك اليومي لأكثر من 200 غرام من الخضار والفواكه يرتبط بانخفاض ملموس في خطر الإصابة، إضافة إلى تناول البقوليات بانتظام مرتين أسبوعياً على الأقل، وهو ما يعزز الفرضية القائلة بأهمية الألياف الغذائية والمركبات النباتية في حماية القولون.
دعوة إلى مراجعة العادات الغذائية
تعكس هذه الدراسة الحاجة الملحة إلى تعزيز التوعية بأهمية التغذية المتوازنة، خاصة لدى فئة الشباب، والعمل على إدماج سياسات وقائية تشجع على استهلاك الأغذية الطبيعية الغنية بالألياف، والحد من انتشار الوجبات السريعة والمنتجات فائقة المعالجة.
كما تفتح النتائج الباب أمام مزيد من الأبحاث حول تأثير التحول الغذائي في المغرب على الصحة العامة، وتؤكد أن الوقاية تبدأ من المائدة، عبر اختيارات يومية بسيطة قد تصنع فرقاً كبيراً في المستقبل الصحي للأفراد والمجتمع.