جدل واسع بالمغرب حول إلزامية الاكتفاء بعبارة “نقل الأموات” على سيارات الجنائز

0

أثار القرار الوزاري المشترك المحدد لمعايير الصحة والسلامة الخاصة بعمليات دفن الجثث ونقلها وإخراجها من القبور، والذي دخل حيز التنفيذ أخيراً، نقاشاً واسعاً في المغرب، بعد تنصيصه على ضرورة الاكتفاء بعبارة “نقل الأموات” على سيارات نقل الجثامين، دون أي عبارات أو شعارات أخرى، بما في ذلك الشهادتان أو آيات قرآنية كانت تُكتب سابقاً على بعض هذه المركبات.

ويحمل القرار المشترك رقم 1250، الصادر عن وزير الداخلية ووزير الصحة والحماية الاجتماعية، مقتضيات واضحة تلزم باعتماد شريطين أخضرين على جانبي السيارة، مع كتابة عبارة “نقل الأموات” فقط، إضافة إلى الإشارة إلى مالك المركبة، مع منع أي عبارات أخرى.

ويرى عدد من الباحثين في الشأن الديني والثقافي أن هذا المقتضى، رغم الجدل الذي أثاره، يندرج ضمن مسار تنظيم هذا المجال وإخضاعه لمعايير موحدة، بما يضمن احترام كرامة المتوفى ويمنع أي مظهر من مظاهر التمييز على أساس الانتماء الديني، كما يعكس حرص الدولة على تكريس قيم التعايش التي تميز المجتمع المغربي.

في هذا السياق، اعتبر خالد التوزاني، أستاذ التعليم العالي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي “مساق”، أن القرار كان يمكن تقديمه بصيغة تواصلية أكثر انسجاماً مع خصوصيات المجتمع المغربي، عبر التأكيد على أنه يهدف إلى صون كرامة المتوفى، وحماية حرمته الصحية والروحية، وترسيخ روح التعايش بين مختلف مكونات المجتمع.

وأوضح أن تحديث الضوابط المنظمة لسيارات نقل الأموات لا يعني تبني توجهات مناقضة للمرجعية الدينية، بل يدخل في إطار “حسن التنظيم” الذي يشمل مختلف مناحي الحياة، بما فيها ما يرتبط بالموت والجنائز.

وأضاف أن المغاربة يحرصون تقليدياً على دفن موتاهم في مسقط رأسهم، ما يجعل تقنين وسائل النقل المخصصة لذلك، ومنع استعمال عربات غير ملائمة، استجابة لاعتبارات دينية وأخلاقية ترفض المساس بكرامة الإنسان بعد وفاته.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن فرض مواصفات دقيقة لسيارات نقل الأموات، سواء من حيث اللون أو شروط التبريد أو الفصل بين السائق والجثمان أو شكل الكتابة الخارجية، يهدف إلى إنهاء مظاهر العشوائية، وضمان نقل جميع المواطنين في ظروف تحفظ كرامتهم، دون تمييز ديني أو اجتماعي أو اقتصادي.

كما اعتبر أن انتقال الدولة من تدبير عرفي أو إداري بسيط لهذا المجال إلى تدبير معياري مضبوط يعكس توجهاً نحو ملاءمة الخصوصية المغربية مع معايير السلامة الصحية المعمول بها دولياً، خاصة في ظل تطور المعرفة الطبية وارتباط بعض الحالات بإجراءات احترازية خاصة، كحالات الأوبئة.

ودعا إلى تعزيز التواصل المؤسساتي في مثل هذه القرارات، بما في ذلك إمكانية الاستئناس بآراء الهيئات العلمية المختصة في القضايا ذات البعد الديني، لطمأنة المواطنين بشأن بعض الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بالسلامة الصحية.


من جهته، اعتبر يوسف محمد بناصر، الباحث في حوار الأديان وقضايا التجديد في الفكر الإسلامي، أن اعتماد عبارة “نقل الأموات” حصراً يحمل دلالة رمزية مفادها أن الفضاء العمومي ينبغي أن يظل جامعاً لكل مكونات المجتمع، بما فيها الأقليات الدينية المقيمة بالمغرب، انسجاماً مع التزامات المملكة الدولية ورصيدها التاريخي في مجال التعايش.

وأوضح أن التراث الإسلامي يتضمن شواهد متعددة على احترام غير المسلمين في سياقات الوفاة والجنائز، مشيراً إلى مواقف تاريخية تؤكد إقرار حرية ممارسة الشعائر واحترام المقدسات في المجتمعات المتعددة.

وأضاف أن فقهاء تناولوا مسائل تتعلق بالتعامل مع جنائز غير المسلمين، سواء من حيث الوقوف لها أو تعزية أهلها أو المشاركة في بعض الإجراءات المرتبطة بها، بما يعكس سعة الاجتهاد الفقهي وتنوع الآراء في هذا الباب.

وختم المتحدثان بالتأكيد على أن القرار، رغم اختلاف القراءات بشأنه، يندرج ضمن توجه يروم تنظيم قطاع حساس يجمع بين البعد الصحي والقانوني والرمزي، مع الحرص على صون كرامة المتوفى وتعزيز قيم التعايش داخل المجتمع المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.