عودة الدفتيريا إلى المغرب تعيد التلقيح إلى واجهة الوقاية الصحية

0

لم تعد عودة داء الدفتيريا إلى المغرب مجرد تسجيل حالات متفرقة لمرض غاب عن المشهد الصحي الوطني لأكثر من ثلاثة عقود، بل أصبحت مناسبة لإعادة طرح أسئلة الوقاية والتغطية التلقيحية وقدرة المنظومة الصحية على حماية الفئات التي لم تستكمل جرعاتها.

فبعد سنوات من تراجع حضوره، أعاد ظهور إصابات خلال سنة 2026 التأكيد على أن اختفاء المرض من الإحصاءات لا يعني زوال خطره نهائيا، خصوصا عندما توجد فئات لا تتمتع بالمناعة الكافية.

وكانت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية قد أعلنت، في 28 شتنبر الماضي، رصد بؤرتين عائليتين بجهة سوس ماسة، بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها، مع تأكيد حالة واحدة مخبريا وإخضاع ثماني حالات أخرى للتحقيق، من بينها حالتا وفاة.

وبعد ذلك، ارتفع عدد الإصابات المؤكدة على الصعيد الوطني إلى 11 حالة في 8 أكتوبر، ثم إلى 15 حالة في 14 أكتوبر، وفق تصريحات لمسؤولين بوزارة الصحة نقلتها SNRT News. وأكدت الوزارة أن الحالات المسجلة كانت مستقرة وأن الوضع الوبائي ظل تحت السيطرة، مع تسجيل الإصابات في جهات عدة، خصوصا الدار البيضاء-سطات وسوس ماسة.

وتكشف هذه الأرقام، رغم محدوديتها، عن أهمية التمييز بين رصد حالات مؤكدة ووجود انتشار وبائي واسع. فالمعطيات المنشورة لا تبرر الحديث عن تفشٍّ وطني للمرض، لكنها تفرض مواصلة المراقبة الوبائية وتتبع المخالطين وتسريع التدخل عند ظهور حالات مشتبه فيها.

كما أن ارتفاع الحصيلة المؤكدة بين 8 و14 أكتوبر يوضح أهمية تحيين المعطيات الصحية باستمرار، وعدم الاكتفاء بالأرقام الأولية التي تعلن عند اكتشاف البؤر.

وتبرز المعطيات الرسمية أن الأطفال المعنيين بالبؤرتين الأوليين لم يسبق تلقيحهم ضد الدفتيريا أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها. وهنا تتجاوز القضية الجانب الطبي لتطرح تحديا مرتبطا بضمان وصول خدمات التلقيح إلى جميع الأطفال، ومتابعة الحالات التي تنقطع عن البرنامج الوطني للتمنيع، والتأكد من استكمال الجرعات الأساسية والتذكيرية.

فوجود لقاح فعال لا يكفي وحده إذا لم تتحول الاستفادة منه إلى حماية فعلية تشمل مختلف الفئات.

وتدعم المؤشرات الدولية أهمية استمرار هذه الجهود. فبحسب منظمة الصحة العالمية، بلغت التغطية العالمية بالجرعة الثالثة من اللقاح المركب ضد الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي 85 في المائة خلال سنة 2025، بينما لم يحصل نحو 15 في المائة من الرضع عالميا على الجرعات الثلاث كاملة. وتوضح هذه المعطيات أن فجوات التلقيح ما تزال تحديا دوليا، حتى مع التقدم الذي أحرزته برامج التحصين.

وتكمن خطورة الدفتيريا في السموم التي تنتجها البكتيريا المسببة لها، والتي قد تؤثر في القلب والأعصاب والكليتين، فضلا عن احتمال تسببها في صعوبات خطيرة في التنفس والبلع. وتبدأ الأعراض عادة بالتهاب الحلق والحمى،

وقد تظهر أغشية سميكة رمادية في الحلق. لذلك، فإن الاشتباه في الإصابة يستوجب تقييما طبيا عاجلا، دون انتظار تطور الأعراض أو محاولة معالجة الحالة ذاتيا.

ولا تنحصر الاستجابة المطلوبة في تلقيح الأطفال، بل تشمل أيضا استدراك الجرعات الناقصة، والتحقق من الوضع التلقيحي للمخالطين، وتطبيق التدابير الوقائية والعلاجية التي تقررها الفرق الطبية. كما يستدعي الأمر تعزيز التنسيق بين المؤسسات الصحية والمدارس والأسر، وتوفير معلومات واضحة بشأن اللقاحات ومواعيدها، تفاديا للشائعات والتردد الذي قد يؤخر الاستفادة من خدمات الوقاية.

إن عودة الدفتيريا تضع الوقاية الصحية أمام اختبار الاستمرارية: فنجاح التلقيح لا يقاس فقط بتراجع الإصابات لسنوات، وإنما بالقدرة على الحفاظ على المناعة الجماعية ومنع عودة الأمراض التي يمكن تفاديها.

وبينما تؤكد المعطيات الرسمية أن الحالات المسجلة ظلت تحت السيطرة في منتصف أكتوبر، فإن حماية الصحة العامة تقتضي مواصلة اليقظة، وتوسيع الاستفادة من التلقيح، وضمان سرعة التشخيص والتدخل، حتى لا تتحول الثغرات المحدودة في الحماية إلى بؤر جديدة للعدوى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.