علم الأعصاب يفسّر ظاهرة التسويف .. دائرة دماغية تكبح الحافز

0

لا يحبّذ أحد أداء المهام التي لا تروق له. فكثيرٌ منا يلجأ إلى تأجيل الأعمال الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف وظيفي صعب، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض نقاش مرهق. ولعلّ أسباب هذا التسويف لا تعود فقط إلى غياب العزيمة أو ضعف الإرادة، بل تتصل أيضًا بآليات عصبية يمكن تفسيرها في ضوء علوم الدماغ والجهاز العصبي.

يرى العلماء أن الحافز هو القوة التي تدفع الكائنات الحية إلى تبنّي سلوكيات معينة لتحقيق أهداف تخدم مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثر هذه السلوكيات بمؤثرات قوية مثل الشعور بالنفور من عملٍ ما. ورغم أن النظريات الكلاسيكية في علم النفس تؤكد أهمية “الهدف” في تحفيز الإنسان، فإن أبحاثًا حديثة، تستند إلى نماذج حاسوبية، تشير إلى أن اتخاذ القرار بأداء سلوك معيّن يتأثر بعوامل أخرى، خصوصًا في المواقف السلبية التي تنطوي على تكلفة إضافية، سواء أكانت عضلية أم ذهنية أم نفسية. هذه التكلفة قد تدفع الفرد إلى التسويف أو التأجيل.

وفي دراسة نشرتها دورية Current Biology المتخصصة في علوم الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود “دائرة عصبية” في أدمغة قرود المكاك تؤدي وظيفة ما يشبه “مكابح التحفيز”، ما يسلّط الضوء على الأسباب المحتملة لتردد بعض الأفراد في اتخاذ قرارات معينة. وصرّح الباحث كين إيشي أميموري، أستاذ البيولوجيا العصبية في معهد الأبحاث المتقدمة بجامعة كيوتو وأحد المشاركين في الدراسة، لموقع Scientific American قائلًا: “استطعنا الربط بين مسار عصبي محدد في الدماغ وبين كبح الحافز لدى البشر عندما يواجهون مهامّ غير مرغوبة”.

خلال التجربة، كُلّفت القرود بأداء مهام مقابل مكافآت، لكن مع التعرّض لنفثة مزعجة من الهواء في الوجه بعد كل محاولة. وقد لاحظ الفريق أن أداء القرود تباطأ بشكل ملحوظ عندما كانت المهمة تنتهي بهذه النفثة.

ولضمان نتائج دقيقة، أجريت التجارب في غرف معزولة صوتيًا ومظلمة، للحد من تأثير المؤثرات الخارجية. وقد دُرّبت القرود على التركيز في مكعبات تظهر في منتصف شاشة. كلما طالت فترة النظر إلى الأشكال الظاهرة على الشاشة، زادت قيمة المكافأة المقدّمة، التي تنوّعت بين الماء والمشروبات الرياضية المحلّاة. لكن عقب الحصول على المكافأة، كانت تُوجَّه إلى وجه القرد نفثة من الهواء، حسب سلوكه. وإذا امتنع عن المشاركة، حصل على مكافأة أقل للحفاظ على حافزه للاستمرار.

وباستخدام تقنيات الكيمياء الوراثية، تمكّن الباحثون من التدخل في دوائر عصبية محددة، تربط بين منطقتين في الدماغ: “المخطط البطني” (Ventral Striatum) و”الجسم البطني الشاحب” (Ventral Pallidum)، وهما جزءان من “العقد القاعدية”، التي تؤدي دورًا رئيسيًا في تنظيم الحافز والمكافأة لدى الرئيسيات.

وتبيّن أن “المخطط البطني” يرسل إشارات عصبية إلى “الجسم البطني الشاحب”، تؤثر على رغبة الكائن في أداء المهام. وعند تعطيل هذا المسار العصبي، رصد الباحثون انخفاضًا واضحًا في تردد القرود، حتى في أداء المهام المصحوبة بالنفثة المزعجة. بعبارة أخرى، نجح الفريق في تعطيل “كابح التحفيز”، ما جعل القرود أكثر استعدادًا للقيام بالمطلوب.

يقول أميموري: “نأمل أن تساهم هذه النتائج في فهم أفضل للحافز في بيئاتنا المعاصرة، التي تتسم بتعقيد متزايد وضغوط متنوّعة”. كما يأمل الفريق أن تؤدي هذه النتائج مستقبلًا إلى تطوير أدوية تعالج مشكلات التحفيز المرتبطة ببعض الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو الفصام.

غير أن أميموري يحذّر من التسرع في استخدام هذه النتائج، إذ إن كبح “مكابح التحفيز” قد يؤدي إلى تحفيز غير منضبط، ويدفع الأفراد إلى سلوكيات متهورة أو خطرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.