حوادث السير بالمغرب: تقرير رسمي يكشف فشل تحقيق أهداف السلامة الطرقية
كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 عن حصيلة وُصفت بـ«المتباينة» لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية (2017-2026)، محذرًا من أن الهدف المعلن بخفض عدد وفيات حوادث السير إلى النصف في أفق 2026 أصبح اليوم بعيد التحقيق، في ظل استمرار المنحى التصاعدي لأعداد الضحايا.
وأفادت تقارير المحاكم المالية بأن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السير واصل ارتفاعه، ليبلغ 4024 حالة وفاة خلال سنة 2024، في وقت كانت الاستراتيجية الوطنية تروم تقليص هذا الرقم إلى أقل من 1900 وفاة مع نهاية مدة تنفيذها.
فشل الأهداف المرحلية واستنزاف الفئات الهشة
وأوضح التقرير، المرفوع إلى الملك محمد السادس، أن الأهداف المرحلية المسطرة لم يتم بلوغها؛ إذ كان من المفترض ألا يتجاوز عدد الوفيات 3000 حالة سنة 2020، غير أن سنة 2023 وحدها سجلت 3819 وفاة. وأرجع المجلس هذا الإخفاق أساسًا إلى الارتفاع المقلق في وفيات مستعملي الطريق الأكثر عرضة للخطر.
وتصدرت فئة مستعملي الدراجات النارية ثنائية وثلاثية العجلات قائمة الضحايا، بعدما ارتفع عدد الوفيات في صفوفها من 852 وفاة سنة 2015 إلى 1738 وفاة سنة 2024، وهو رقم يفوق بأكثر من أربعة أضعاف الهدف المحدد لهذه الفئة، والمتمثل في أقل من 426 وفاة.
كما سجل التقرير استمرار ارتفاع وفيات الراجلين، التي بلغت 1068 وفاة خلال سنة 2024، وهو مستوى يظل بعيدًا جدًا عن الهدف الاستراتيجي الذي كان يطمح إلى تقليص العدد إلى أقل من 500 وفاة.
اختلالات في البنية التحتية وضعف التحسيس
وعزا قضاة المجلس الأعلى للحسابات هذا التعثر إلى قصور واضح في تنفيذ عدد من التدابير المبرمجة ضمن خطط العمل، مشيرين إلى ضعف إنجاز الممرات المخصصة للراجلين والدراجات، إلى جانب محدودية نجاعة حملات التحسيس والتواصل الهادفة إلى الحد من السلوكيات الخطرة على الطريق.
كما سجل التقرير خصاصًا ملحوظًا في تكوين سائقي الدراجات النارية، وهو ما يساهم في تفاقم حوادث السير داخل هذه الفئة.
رقابة غير فعالة وعجز في استخلاص الغرامات
وعلى مستوى الزجر والمراقبة، كشف التقرير عن اختلال كبير في منظومة استخلاص الغرامات، حيث لم تتجاوز نسبة المبالغ المستخلصة 5 في المائة فقط، بما مجموعه 67.1 مليون درهم، من أصل غرامات إجمالية تناهز 1.43 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2023. وأرجع المجلس هذا الوضع أساسًا إلى الصعوبات المرتبطة بتبليغ المخالفين.
حكامة مرتبكة وتداخل في الاختصاصات
وانتقد التقرير التأخر المسجل في التفعيل الكامل لاختصاصات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) وفروعها الجهوية، الذي لم يتم إلا في نهاية سنة 2020، أي بعد أربع سنوات من انطلاق الاستراتيجية.
كما رصد وجود تداخل في الاختصاصات وغموض في توزيع المسؤوليات بين الوكالة، والوزارة المكلفة بالنقل، والمديريات الجهوية للتجهيز والنقل واللوجستيك والماء، إضافة إلى هيئات الحكامة المعنية بقطاع السلامة الطرقية. وأرجع المجلس ذلك إلى عدم تحيين النصوص التنظيمية، خاصة تلك المتعلقة بلجان السلامة الطرقية، بما يواكب التحولات البنيوية التي عرفها القطاع، من بينها تفعيل “نارسا” سنة 2020 وإعادة هيكلة الوزارة الوصية سنة 2021.
توصيات لإعادة التصحيح
وفي إطار مهامه الرقابية، تقدم المجلس الأعلى للحسابات بسلسلة من التوصيات وُصفت بالعاجلة، موجّهة إلى رئاسة الحكومة والقطاعات المعنية، داعيًا إلى مراجعة إطار الحكامة بما يضمن وضوح الأدوار وتفادي تداخل المسؤوليات بين الوكالة الوطنية وباقي المتدخلين.
كما شدد على ضرورة تحيين الإطار القانوني المنظم للقطاع، ليتلاءم مع المعايير الدولية والأممية المتعلقة بسلامة المركبات.
ووجّه المجلس جزءًا مهمًا من توصياته إلى الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، داعيًا إياها إلى اعتماد مقاربة جديدة في تمويل المشاريع المنجزة من طرف باقي الفاعلين، بما يضمن نجاعة منظومة التمويل والتتبع وارتباطها الفعلي بتحسين مؤشرات السلامة الطرقية.
وفي ما يخص التحول الرقمي، أوصى التقرير بالإسراع في إرساء نظام معلوماتي مندمج لتجميع معطيات حوادث السير والمخالفات، بتنسيق مع مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي ووزارة العدل، مع التأكيد على أهمية دعم الجماعات الترابية ومواكبتها تقنيًا لتعزيز السلامة الطرقية داخل الوسط الحضري وتكوين أطرها.