“الحي قبل المستشفى.. العيادات التمريضية تخفف عناء المرضى

0

في زقاق هادئ بأحد الأحياء السكنية بمدينة أيت ملول، تحمل واجهة العيادة لافتة كتب عليها عيادة  للعلاجات التمريضية. خلف الباب الزجاجي، تجلس الممرضة زينة بن مبارك تعمل بنفس العيادة لاستقبال المرضى واحداً تلو الآخر. تحتوي العيادة على جانب للاستقبال، وغرفة بها سرير لتقديم الخدمات التمريضية الضرورية، بالإضافة إلى كرسي مخصص لسحب الدم وقياس العلامات الحيوية. ومرفق صحي، على طاولة كبيرة بها رفوف بالغرفة، تتواجد أدوات قياس الضغط، وعلب قفازات طبية، ومواد وأجهزة التعقيم. وأدوية، وغيرها من المستلزمات الشبه طبية.

يدخل رجل مسن لقياس ضغط الدم، بينما تنتظر سيدة كبيرة دورها لسحب عينة دم . المشهد بسيط، لكنه يعكس واقعاً صحياً جديداً بدأ ينتشر في عدد من المدن المغربية: عيادات تمريضية خاصة تقدم خدمات قريبة وسريعة للمواطنين، مع متابعة شخصية لكل مريض.

خدمات قريبة وتواصل مباشر مع المرضى

السيدة خديجة، امرأة كبيرة في السن من سكان الحي، جاءت إلى العيادة لسحب عينة دم بناءً على وصفة طبية. في السابق، كانت تضطر للذهاب مباشرة إلى المختبر، وكان الأمر يستغرق مدة من الانتظار. الآن تتكفل العيادة بسحب عينات الدم ونقلها إلى المختبر مباشرة، مع متابعة النتائج والتوضيحات اللازمة. تقول:

“أشعر براحة كبيرة، لأن العيادة تسحب الدم هنا أمامي وتتابع كل شيء، ولا أحتاج للانتظار الطويل في المختبر. الممرضة تشرح لي كل خطوة وتعطيني نصائح مهمة حول تغذيتي وصحتي.”

مثل السيدة فاطمة، يفضل كثير من المرضى، خاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، اللجوء إلى هذه العيادات للحصول على خدمات تمريضية سريعة ومتكررة.

الحاج محمد، وهو رجل ستيني، يقول إنه أصبح يقصد هذا النوع من العيادات بانتظام منذ أشهر. يوضح أن الذهاب إلى المستعجلات من أجل حقنة  أو خياطة جرح ، كان يتطلب ساعات طويلة من الانتظار.

العيادات التمريضية..الرعاية والدعم النفسي 

في هذا السياق، تؤكد زينة ، أن هذه العيادات تقدم خدمات تدخل في صميم العمل التمريضي، مثل إعطاء الحقن، وتغيير الضمادات، وخياطة الجروح، وقياس الضغط ونسبة السكر في الدم، إضافة إلى متابعة الحالات التي تحتاج إلى عناية تمريضية دورية.

وتوضح هذه الأخيرة أن العيادة لا تقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل توفر دعمًا نفسيًا ومعنويًا وتثقيفًا صحيًا للمرضى، وهو ما يميزها عن زيارة المستشفى، حيث قد يكتفي الطبيب بالمعاينة السريعة دون شرح كافٍ أو تقديم التوعية للمرضى.

تخفيف الضغط على المستشفيات

وترى بن مبارك  أن العيادات التمريضية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تخفيف الضغط عن المستشفيات، خاصة فيما يتعلق بالخدمات البسيطة والمتكررة، مثل الحقن أو متابعة الحالات المزمنة. وتضيف:

“المستشفيات غالباً مكتظة، والمرضى يضطرون للانتظار لساعات طويلة. العيادات توفر بديلاً سريعاً وقريباً، مع متابعة دقيقة لكل مريض.”

كما تشير إلى أن بعض المرضى يأتون لأسباب نفسية أو للمتابعة الروتينية، وهو ما لا يمكن للمستشفيات أو المستعجلات تقديمه بشكل مستمر، حيث أن هذه الحالات لا تدخل ضمن الطوارئ الطبية.

الفئات المستفيدة من العيادات

وبخصوص الفئات التي تقصد هذه العيادات، أوضحت المتحدثة أن أغلب المستفيدين هم من سكان الأحياء القريبة من العيادة، رغم أن بعض المرضى يأتون من مناطق بعيدة اعتماداً على سمعة العيادة وجودة خدماتها.

غير أن الفئة الأكثر إقبالاً، بحسب قولها، تظل ساكنة الحي، التي تجد في هذه العيادات خدمات صحية سريعة وقريبة من مقر السكن.

وعي متفاوت بدور العيادات

وأشارت المتحدثة إلى أن وعي المواطنين بدور هذه العيادات يختلف حسب الوسط. ففي المدن القروية يدرك كثير من المواطنين أهمية هذه الخدمات، بينما لا يزال جزء من المجتمع لا يعرف بشكل دقيق الدور الحقيقي للعيادات التمريضية وحدود اختصاصها.

وأضافت أن بعض المواطنين يقصدون هذه العيادات أساساً من أجل الحصول على الخدمة بسرعة، مقارنة بما قد يتطلبه التوجه إلى المستشفى من إجراءات وانتظار.

المسؤولية والاختصاص المهني

غير أن انتشار هذه العيادات يطرح تساؤلات حول معرفة المواطنين بدورها الحقيقي وحدود اختصاصها، إضافة إلى مراقبة جودة الخدمات واحترام شروط السلامة والتعقيم.

توضح زينة  أن العمل في العيادة يخضع لقوانين مهنة التمريض، حيث يمنع على الممرض تجاوز اختصاصه المهني، خاصة فيما يخص تشخيص الأمراض أو وصف الأدوية، وهي مسؤولية الطبيب. ومع ذلك، تعترف الممرضة أن بعض الممرضين أحيانًا يقومون بأعمال من اختصاص الطبيب، ما يفرض مراقبة صارمة.

كما تشير إلى أن المسؤولية القانونية تقع على صاحب العيادة في حال وقوع أي خطأ أو ضرر، كما نبهت إلى أن عدداً من العيادات لا يلتزم دائماً بشروط التعقيم بالشكل المطلوب، خصوصاً بعد توسع نشاطها واكتسابها شهرة أكبر، معتبرة أن ضعف وعي المرضى بهذه الجوانب يجعلهم في كثير من الأحيان غير قادرين على ملاحظة مثل هذه الاختلالات.

المراقبة والتفتيش

وفي ما يتعلق بالمراقبة، أوضحت الممرضة أن العيادات التمريضية تخضع بدورها لعمليات تفتيش من طرف لجان مختصة، حيث يتم التأكد من شروط العمل، ومراقبة الأدوية المستعملة، وتفقد تواريخ صلاحيتها، إضافة إلى متابعة أي تغييرات أو تطورات داخل العيادة.

تحديات أمام تطوير القطاع

ورغم الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه العيادات التمريضية في تقريب الخدمات الصحية وتخفيف الضغط عن المستشفيات، تشير المتحدثة إلى أن هناك إكراهات مرتبطة بالاختصاصات، المراقبة، ووعي المرضى:

“بعض الممرضين يتجاوزون حدود اختصاصهم، وهناك عيادات لا تراعي دائماً التعقيم، ما يفرض على القطاع مزيداً من التنظيم والتأطير لضمان جودة الخدمات وحماية المرضى.”

بين الحاجة المتزايدة للخدمات الصحية القريبة، وضرورة احترام القوانين المنظمة للمهنة، تظل العيادات التمريضية قطاعاً واعداً لكنه بحاجة لتطوير مستمر لضمان أن تكون دعامة حقيقية للمنظومة الصحية دون أن تتحول إلى مجال يثير الجدل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.