“السطاجير” في قطاع الصحة: ضحايا بيئة قاسية أم فريسة مهنيين؟

0

في قلب المنظومة الصحية، يشكل التكوين الميداني مرحلة حاسمة في مسار الممرضات والممرضين المتدربين، حيث ينتقلون من الجانب النظري إلى الاحتكاك المباشر بالواقع داخل المستشفيات والمصحات. غير أن هذه المرحلة، التي يفترض أن تكون فضاءً للتعلم والتأطير، تتحول في كثير من الأحيان إلى تجربة قاسية، تطغى عليها مظاهر التقليل من القيمة وسوء المعاملة.

من الناحية المهنية، تقوم العلاقة بين الممرض المتدرب ومهنيي الصحة على مبدأ واضح: التأطير والتعلم مقابل الاحترام والانضباط. فالمتدرب ليس يدًا عاملة، بل هو في طور التكوين، يحتاج إلى التوجيه والدعم لا إلى الاستغلال أو الإهانة. كما أن المهني، بحكم خبرته، مطالب بنقل المعرفة والخبرة في إطار من الاحترام المتبادل.

غير أن ما تكشفه هذه الشهادات يعكس انحرافاً عن هذا الإطار، حيث تتحول العلاقة أحياناً إلى علاقة سلطة غير متوازنة، يُستغل فيها ضعف موقع المتدرب، سواء لفرض مهام لا تدخل في إطار التعلم، أو لممارسة ضغط نفسي قد ينعكس سلباً على مساره المهني والشخصي.

حين يُهان منقذو الغد… الوجه الخفي لتدريب الممرضين بالمغرب

تصريحات عدد من الممرضات حديثات التخرج تكشف جانباً مؤلماً من هذه العلاقة. تقول سلمى، وهي ممرضة مولدة تخرجت حديثاً، إن أول ما كان يطرح في ذهنها خلال فترة التدريب هو: لماذا ينظر بعض المهنيين إلى المتدربين نظرة دونية؟ تضيف أنها، رغم ما راكمته من معارف خلال سنوات الدراسة، كانت تُعامل وكأنها لا تملك أي تكوين، مشيرة إلى تعرضها لما وصفته بـ”نقص كبير في التقدير”، بل واحتقار يمس كرامتها الإنسانية. وتساءلت بحرقة: لماذا يُطلب من المتدرب أن يصبر على حساب صحته النفسية فقط ليرتاح الآخرون ويمارسوا نوعاً من “الطغيان”؟

التدريب أم الاستغلال؟ معاناة صادمة لممرضي الغد داخل المستشفيات
من جهتها، تؤكد ياسمين، وهي ممرضة متدربة، أن تجربتها كانت “سيئة في المجمل”، رغم لقائها ببعض المهنيين المتفهمين. لكنها شددت على أن الفئة السلبية كانت الأكثر حضوراً، حيث يُحرم المتدرب من فرص التعلم، ويتعرض للتقليل والتنمر، خاصة داخل المستشفيات العمومية. وأضافت أنها وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها تتفادى الذهاب إلى التدريب بسبب الضغط النفسي الناتج عن المعاملة اليومية، معتبرة أن بعض المهنيين يستغلون المتدربين لقضاء مهامهم دون الحرص على تأطيرهم أو تعليمهم.

أما خديجة، فقد ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن تجربتها داخل المستشفى كانت “شبه صادمة”، إلى درجة أنها فقدت الرغبة في الاستمرار في العمل داخل القطاع. ووصفت الأجواء بكونها تخضع لمنطق “القوي يأكل الضعيف”، حيث يتعرض المتدرب لمختلف أشكال التنمر، ولا يُمنح فرصة حقيقية للتعلم إلا إذا انخرط ضمن “حاشية” بعض المهنيين، عبر مجاملتهم أو تلبية طلباتهم. وأكدت أن الخطأ غير مسموح به، إذ يتحول إلى مادة للسخرية والنقاش، في غياب التأطير الحقيقي، باستثناء قلة قليلة تشعر بمسؤوليتها المهنية والإنسانية.

بيئة العمل… حين تصنع القسوة وتُعيد إنتاجها
لا يمكن فهم هذه السلوكيات دون التوقف عند طبيعة البيئة المهنية داخل بعض المؤسسات الصحية. فبيئة العمل التي تطغى عليها الضغوط، والاكتظاظ، ونقص الموارد البشرية، وغياب التأطير الحقيقي، تتحول إلى أرض خصبة لإنتاج التوتر والسلوكيات السلبية.
في مثل هذه الأجواء، يجد بعض المهنيين أنفسهم يعيدون إنتاج ما عاشوه سابقاً خلال فترة تدريبهم، وكأن “القسوة” أصبحت جزءاً من ثقافة غير مكتوبة داخل بعض المصالح. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بأفراد، بل بمنظومة تفتقر أحياناً إلى آليات واضحة لحماية المتدرب وضمان حقه في التعلم في ظروف إنسانية ومهنية سليمة.

التدريب أم الاستغلال؟ ممارسات خارج إطار التكوين داخل المصحات الخاصة
ولا يقتصر الأمر على المستشفيات العمومية فقط، بل يمتد أيضاً إلى بعض المصحات الخاصة، حيث كشفت شهادات أن بعض الممرضين المهنيين يعمدون إلى استغلال المتدرب في مهام لا علاقة لها بالتكوين الصحي. ويتحدث متدربون عن تكليفهم بقضاء أغراض شخصية، مثل إحضار مواد من مطعم المصحة، أو التنقل بين المصالح لنقل ملفات إدارية، في وقت يفترض أن يكونوا فيه إلى جانب المرضى لاكتساب مهارات تطبيقية ومتابعة العلاجات بشكل مباشر.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا النوع من “التدريب”، الذي يُفرغ العملية التكوينية من محتواها، ويحرم المتدرب من حقه في التعلم، مقابل تحويله إلى وسيلة لتلبية رغبات لا تمت بصلة للمهنة.

أحلام تُكسَر داخل المستشفيات… كيف يُدفع الممرضون المتدربون لترك المهنة؟
الأخطر من ذلك، أن هذه التجارب لا تتوقف عند حدود المعاناة المؤقتة، بل تمتد آثارها إلى قرارات مصيرية. فقد أكدت شهادات متطابقة أن هناك طلبة اختاروا مغادرة مسار التمريض منذ أول احتكاك لهم بمهنيي الصحة، خاصة في تخصصات حساسة كالتوليد، فيما قرر آخرون تغيير مسارهم المهني بعد التخرج، هرباً من بيئة عمل اعتبروها غير صحية نفسياً.

هذه الصدمات النفسية جعلت بعض الشباب، الذين استثمروا وقتهم وجهدهم وأموالهم في التكوين، يتخلون عن حلمهم في ممارسة المهنة، بسبب ممارسات وسلوكيات صادرة عن بعض المهنيين الذين ينظرون إلى المتدرب كعبء أو كطرف غير مرغوب فيه.

دون تعميم… القلة التي تضيء الطريق
ورغم كل هذه الشهادات، من الضروري التأكيد على أن هذا الواقع لا يمكن تعميمه. فهناك فعلاً مهنيون ومهنيات يتعاملون مع المتدربين بكل إنسانية واحترام، ويحرصون على تأطيرهم ونقل خبراتهم إليهم بإخلاص. غير أن هؤلاء، بحسب الشهادات، يظلون قلة داخل بعض المؤسسات، وهو ما يطرح الحاجة إلى تعميم هذه النماذج الإيجابية وجعلها القاعدة لا الاستثناء.

وجهة نظر المهنيين… هل المتدرب يستحق الاحترام؟

لإضفاء بعد آخر على القضية، أدلت إحدى الممرضات المهنيات بتصريح يوضح وجهة نظر المهنيين تجاه المتدربين، مؤكدة أن السبب وراء بعض الممارسات القاسية ليس حباً في الإهانة، بل نتيجة لسلوكيات بعض المتدربين أنفسهم. تقول الممرضة: “ما يدفع المهني أحياناً لمعاملة المتدرب بطريقة سيئة هو عدم احترام بعضهم لأطر الصحة، وعدم امتثالهم للأوامر، ورفضهم القيام ببعض الأمور المطلوبة منهم.

“بعض المتدربين يظهرون نقصاً في التحضير والمعرفة، فعندما يُسألون عن الأمور الأساسية المتعلقة بالتكوين لا يستطيعون الإجابة، مما يقلل من مصداقيتهم ويضعف مكانتهم لدى المهنيين.”

وتضيف الممرضة أن هذه الظاهرة ليست شاملة لكل المتدربين، لكنها تؤثر على الصورة العامة، وتزيد من الاحتكاك بين الطرفين، مما يضع المتدرب والمهني في حلقة من التوتر والاحتكاك الذي كان يمكن تجنبه بالاحترام المتبادل والتأطير الجيد.

وتضيف المتحدثة : إلى جانب الأسباب المهنية التي قد تدفع بعض المهنيين للتقليل من المتدربين، هناك من يتصرف وفق تحيزات شخصية، فلا يستسيغ بعض المهنيين حضور أو أسلوب بعض المتدربين، فيقللون من قيمتهم دون أي سبب موضوعي. وتوضح الممرضة المهنية: “بعض المهنيين لا يحتاجون سبباً للتقليل من المتدرب، مجرد شعور شخصي أو عدم استساغة طريقتهم يكفي ليصبح المتدرب عرضة للاحتقار أو النقد اللاذع، وهذا يؤثر بشكل مباشر على نفسيته وعلى تجربته في التدريب.”

نحو بيئة تدريب إنسانية ومهنية
إن تحسين علاقة المتدربين بمهنيي الصحة لا يتطلب فقط قوانين، بل تغييراً في الثقافة المهنية. فالمتدرب اليوم هو مهني الغد، والطريقة التي يُعامل بها ستنعكس على أدائه مستقبلاً.

ومن بين الحلول الممكنة:

  • ترسيخ ثقافة الاحترام داخل المؤسسات الصحية
  • وضع آليات واضحة للتبليغ عن سوء المعاملة
  • تكوين مهنيي الصحة في مجال التأطير والتواصل
  • تحديد مهام المتدرب بشكل دقيق بما يضمن تعلمه دون استغلاله

في النهاية، تبقى القاعدة الأخلاقية البسيطة التي عبرت عنها سلمى في تصريحها، أبلغ من كل القوانين: “أحب لغيرك ما تحب لنفسك “

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.