هل أخطأنا فهم النوم؟ عادة قديمة تعود إلى الواجه

0

لم يكن النوم المتواصل لثماني ساعات كما نعرفه اليوم هو القاعدة عند الإنسان عبر التاريخ، بل تشير مراجع تاريخية ودراسات حديثة إلى أن البشر اعتادوا، لقرون طويلة، نمطًا مختلفًا يُعرف بـالنوم على فترتين أو النوم المجزأ، حيث ينام الشخص ساعات قليلة بعد غروب الشمس، ثم يستيقظ لفترة، قبل أن يعود للنوم مرة ثانية حتى الفجر.

هذا النمط كان شائعًا لدى أجدادنا، خصوصًا في المجتمعات القروية والتقليدية، حين لم تكن الكهرباء ولا الشاشات تفرض إيقاعها على اليوم. فبعد العشاء وصلاة العتمة، كان الناس يخلدون للنوم مبكرًا، ليستيقظوا في منتصف الليل لساعات هادئة يمارسون خلالها أنشطة بسيطة؛ كالدعاء، والتأمل، وقراءة القرآن، أو حتى الحديث العائلي، قبل أن يعودوا للنوم مجددًا حتى الصباح.

وتكشف كتب التاريخ الأوروبي والعربي على حد سواء إشارات واضحة إلى ما كان يسمى بـ“النومة الأولى” و“النومة الثانية”، وهو ما أكده مؤرخون وباحثون في النوم، معتبرين أن الاستيقاظ الليلي لم يكن يُنظر إليه كأرق أو اضطراب، بل كجزء طبيعي من الدورة اليومية للجسم.

ومع ظهور الثورة الصناعية، وتغير أنماط العمل، وانتشار الإضاءة الصناعية، بدأ هذا النظام يتلاشى تدريجيًا، ليحل محله النوم المتواصل المرتبط بساعات العمل الثابتة والالتزامات الحديثة. كما ساهم ضغط الحياة وتسارع الإيقاع اليومي في ترسيخ فكرة أن الاستيقاظ ليلاً أمر غير طبيعي، يستوجب القلق أو العلاج.

اللافت أن بعض الدراسات الحديثة أعادت فتح النقاش حول هذا النمط القديم، مشيرة إلى أن النوم على فترتين قد يكون، لدى بعض الأشخاص، أكثر انسجامًا مع الساعة البيولوجية، خاصة لمن يعانون من الاستيقاظ الليلي المتكرر دون سبب واضح. فبدل مقاومة هذا الاستيقاظ، قد يكون التعامل معه بهدوء، دون توتر أو استخدام الشاشات، أكثر فائدة للصحة النفسية.

ورغم ذلك، يؤكد المختصون أن نمط النوم يظل مسألة فردية، تختلف من شخص لآخر، ولا يمكن تعميم نموذج واحد على الجميع. فالمهم ليس عدد ساعات النوم فقط، بل جودته وتأثيره على النشاط والتركيز خلال النهار.

بين الماضي والحاضر، يبقى النوم على فترتين شاهدًا على أن ما نعتبره اليوم “اضطرابًا” قد يكون في الأصل عادة بشرية قديمة، طواها الزمن، لكنها تعود اليوم لتطرح سؤالًا بسيطًا: هل نحن من فرضنا على أجسادنا نمط نوم لا يشبهها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.