الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات المغربية: وعود طبية كبيرة وأسئلة معلّقة
شهد المسار الرقمي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تسارعاً واضحاً، توّجه بإطلاق رؤية “المغرب ذكاء اصطناعي 2030”، في إطار الانتقال نحو رقمنة شاملة تطال مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الصحة الذي يبدو اليوم في قلب هذا التحول.
وفي قراءة تحليلية نشرتها منصة “The Conversation”، تناولت الأكاديمية أميمة عماري حراق، المتخصصة في علوم التسيير بجامعة بواتيي الفرنسية، هذا التحول من زاوية دقيقة، معتبرة أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي لا يمكن اختزاله في بعده التقني فقط، بل يحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية عميقة.
وترى الباحثة أن بوادر هذا التحول بدأت تظهر فعلياً داخل عدد من المؤسسات الاستشفائية الكبرى بالمغرب، خصوصاً في الرباط والدار البيضاء، حيث يتم توظيف تقنيات ذكية للمساعدة في التشخيص الطبي. وتشير إلى أن هذه الأنظمة باتت قادرة على تحليل الصور الطبية، خاصة في تخصص الأشعة، بدرجة من الدقة قد تقارب في بعض الحالات أداء الطبيب المختص.
وتوضح أن هذه الأدوات، على سبيل المثال، تستطيع في وقت وجيز تحليل صور الأشعة الصدرية ورصد مؤشرات مبكرة لأمراض مثل الالتهاب الرئوي أو بعض الأورام، وهو ما يختصر الزمن الطبي ويخفف الضغط على الأطر الصحية، دون أن يلغي دور الطبيب الذي يظل صاحب القرار النهائي.
وفي جانب آخر من التحليل، تتوقف الباحثة عند أحد أبرز التحديات التي يواجهها النظام الصحي المغربي، والمتمثل في الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج. وترى أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل فرصة لتقليص هذه الهوة، عبر تمكين المناطق النائية من خدمات طبية رقمية عن بعد.
وتقدم مثالاً لمريضة تعيش في منطقة قروية، يمكنها عبر تطبيقات ذكية مدعومة بالخوارزميات تحليل نتائج الفحوصات الأولية والحصول على توجيهات طبية فورية، وربطها مباشرة بأخصائيين عند الحاجة، ما يقلل من مشقة التنقل ويعزز سرعة التدخل الطبي.
ولا يقتصر تأثير هذه التقنيات على الجانب الطبي المباشر، بل يمتد أيضاً إلى تدبير المستشفيات، حيث تشير حراق إلى أن الخوارزميات التنبؤية أصبحت قادرة على تحليل البيانات الصحية واستشراف فترات الضغط داخل أقسام المستعجلات، اعتماداً على معطيات متعددة مثل المواسم والأمراض الموسمية وحتى الظروف المناخية.
هذا النوع من التحليل، بحسبها، يسمح بتحسين توزيع الموارد البشرية وتنظيم المخزون الدوائي بشكل أكثر دقة، وهو ما ينسجم مع أهداف استراتيجية “المغرب ذكاء اصطناعي 2030” الرامية إلى رفع نجاعة المنظومة الصحية وتقليص فترات الانتظار.
ورغم هذا التفاؤل، تدعو الباحثة إلى التعامل بحذر مع هذا التحول، محذرة من مجموعة من الإشكالات المرتبطة أساساً بحماية المعطيات الشخصية الصحية، في ظل غياب إطار قانوني دقيق ينظم استخدام البيانات الطبية في تدريب الخوارزميات.
وتثير في هذا السياق أسئلة حساسة تتعلق بالمسؤولية القانونية في حال حدوث أخطاء تشخيصية، ومدى حماية خصوصية المرضى، معتبرة أن هذه الإشكالات لا تزال غير محسومة داخل المنظومة التشريعية الحالية.
كما تلفت الانتباه إلى إشكال آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ما يعرف بانحياز الخوارزميات، حيث تعتمد العديد من الأنظمة الذكية على قواعد بيانات مستمدة أساساً من مجتمعات غربية، ما قد يحد من فعاليتها داخل السياق المغربي الذي يتميز بخصوصيات جينية واجتماعية مختلفة.
وتحذر من أن هذا الاختلاف قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة في بعض الحالات، خصوصاً في التشخيصات المرتبطة بالأمراض الجلدية أو القلبية، إذا لم تتم ملاءمة هذه الأدوات مع المعطيات المحلية.
وتخلص الباحثة إلى أن نجاح هذا الورش الرقمي في القطاع الصحي يمر عبر ثلاثة شروط أساسية: إطار قانوني واضح، واستثمار في تكوين الموارد البشرية القادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي نقدي، ثم تطوير حلول تكنولوجية محلية تراعي خصوصيات المجتمع المغربي.
وتؤكد في ختام تحليلها أن الذكاء الاصطناعي، رغم قوته، يظل أداة في يد الإنسان، وأن أثره الحقيقي يتوقف على كيفية توظيفه داخل المنظومة الصحية، إما كوسيلة لتعزيز العدالة الصحية أو كعامل قد يعمّق الفوارق القائمة.