البروفيسور عبد الإله قوشيح: أي نزيف بعد انقطاع الطمث ليس طبيعيا ولو كان مجرد نقطة دم

0

يشكل النزيف المهبلي بعد انقطاع الطمث أحد أكثر الأعراض التي تثير قلق النساء، لكنه في الوقت نفسه من العلامات التي كثيرا ما يساء التعامل معها، فبعض النساء يعتبرنه أمرا عاديا مرتبطا بالتقدم في السن، بينما تعيش أخريات حالة من الخوف والارتباك بمجرد ظهوره. وبين هذا وذاك، يؤكد الأطباء أن أي نزيف بعد انقطاع الطمث يستحق التقييم الطبي، لأنه قد يكون ناتجا عن أسباب بسيطة، كما قد يكون في بعض الحالات مؤشرا مبكرا على أمراض تستوجب التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.

ولتسليط الضوء على هذا الموضوع، حاورت جريدة الأول للأخبار وجريدة صحة 24 الأستاذ الدكتور (عبد الإله قوشيح)، أستاذ متخصص في أمراض النساء والتوليد بكلية الطب بأكادير و بالمستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير، الذي أوضح حقيقة النزيف بعد انقطاع الطمث، والأسباب التي قد تقف وراءه، والفحوصات الضرورية لتشخيصه، كما يقدم رسائل توعوية مهمة لكل امرأة للحفاظ على صحتها.

بداية، يشيع بين الناس استعمال عبارة “سن اليأس”، بينما أصبح الأطباء يفضلون مصطلح “انقطاع الطمث”. لماذا؟

عبد الإله قوشيح:  فعبارة “سن اليأس” لم تعد مفضلة في الأوساط الطبية، لأنها توحي بأن المرأة تدخل مرحلة يأس أو نهاية لدورها في الحياة، وهذا تصور غير صحيح. لذلك نعتمد اليوم مصطلح “مرحلة انقطاع الطمث” أو “انقطاع الطمث” (Menopause)، لأنها مرحلة بيولوجية طبيعية تمر بها كل امرأة، شأنها شأن مراحل أخرى من حياتها، ولا تعني نهاية النشاط أو الإنتاج أو العطاء.

كيف تعرفون طبيا مرحلة انقطاع الطمث؟ ومتى يمكن القول إن الدورة الشهرية توقفت نهائيا؟

عبد الإله قوشيح: انقطاع الطمث هو مرحلة تتوقف فيها وظيفة المبيضين تدريجيا، فينخفض إنتاج الهرمونات الأنثوية، إلى أن تتوقف الدورة الشهرية بشكل دائم. ويعتبر انقطاع الطمث مؤكدا عندما تمر اثنا عشر شهرا متتالية دون نزول الدورة الشهرية، شريطة ألا يكون هناك سبب آخر يفسر ذلك، مثل الحمل أو بعض الأمراض أو استعمال أدوية معينة.

هل يمكن أن تعود الدورة الشهرية بشكل طبيعي بعد انقطاع الطمث؟

عبد الإله قوشيح: بعد التأكد من انقطاع الطمث وفق المعايير الطبية، لا يفترض أن تعود الدورة الشهرية من جديد. لذلك فإن أي نزيف مهبلي يحدث بعد هذه المرحلة لا يمكن اعتباره دورة شهرية طبيعية، بل ينبغي التعامل معه كعرض يستوجب الفحص لدى طبيب النساء لمعرفة سببه الحقيقي.

ما الأسباب الأكثر شيوعا للنزيف بعد انقطاع الطمث؟

عبد الإله قوشيح: في معظم الحالات تكون الأسباب حميدة، مثل ضمور بطانة الرحم أو جفاف المهبل الناتجين عن انخفاض هرمون الإستروجين، أو وجود سليلات (لحميات) داخل الرحم أو عنق الرحم، كما قد يكون النزيف مرتبطا ببعض العلاجات الهرمونية.

لكن، وفي نسبة أقل من الحالات، قد يكون النزيف مؤشرا على أمراض أكثر خطورة، مثل سرطان بطانة الرحم أو سرطان عنق الرحم، وهو ما يفسر أهمية عدم إهمال هذه العلامة.

هل يمكن للمرأة أن تطمئن إذا كان النزيف خفيفا أو ناتجا عن جفاف المهبل؟

عبد الإله قوشيح: جفاف المهبل بالفعل من الأسباب الشائعة للنزيف بعد انقطاع الطمث، لكن لا يمكن الجزم بذلك دون فحص طبي. ولهذا فإن أي نزيف، سواء كان خفيفا أو متكررا أو حتى حدث مرة واحدة، يستوجب التقييم الطبي، لأن الهدف ليس إثارة الخوف، وإنما استبعاد الأمراض التي يكون علاجها أكثر نجاحا عند اكتشافها مبكرا.

هل هناك فئات من النساء يكنّ أكثر عرضة للإصابة بأمراض بطانة الرحم أو النزيف بعد انقطاع الطمث؟

عبد الإله قوشيح: النزيف قد يحدث لدى أي امرأة، لكن بعض العوامل ترفع احتمال الإصابة بأمراض بطانة الرحم، من بينها السمنة، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، واستعمال هرمون الإستروجين دون البروجستيرون، إضافة إلى وجود تاريخ عائلي لبعض أنواع السرطان.

إذا لاحظت امرأة نزول دم بعد سنوات من انقطاع الدورة، ما أول ما ينبغي عليها فعله؟

عبد الإله قوشيح: أنصح أولا بعدم الذعر، لكن في المقابل بعدم تجاهل الأمر أو تأجيله. المطلوب هو حجز موعد لدى طبيب النساء في أقرب وقت، لأن التشخيص المبكر يساعد غالبا على تحديد السبب بسرعة، وفي أغلب الأحيان يكون السبب بسيطا وقابلا للعلاج، أما إذا وُجد مرض يحتاج إلى تدخل، فإن اكتشافه مبكرا يرفع بشكل كبير من فرص الشفاء.

هل توجد وسائل تقلل من خطر الإصابة بأمراض بطانة الرحم بعد انقطاع الطمث؟

عبد الإله قوشيح: بالتأكيد، فالوقاية تبدأ بالحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وضبط السكري وارتفاع ضغط الدم، وعدم استعمال العلاج الهرموني إلا تحت إشراف الطبيب، مع الحرص على مراجعة المختص فور ظهور أي نزيف أو أعراض غير معتادة.

تعتقد بعض النساء أن زيارة طبيب النساء لم تعد ضرورية بعد انقطاع الطمث، ما رأيكم؟

عبد الإله قوشيح: هذا اعتقاد خاطئ. فالفحص الدوري يظل مهما حتى بعد انقطاع الطمث، لأنه يتيح الكشف المبكر عن عدد من الأمراض قبل ظهور مضاعفاتها، كما يسمح بمتابعة صحة الرحم وعنق الرحم والثديين، ومساعدة المرأة على تدبير أعراض انقطاع الطمث إذا كانت تؤثر في جودة حياتها.

كما أشدد على أهمية الالتزام ببرامج الكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم بواسطة مسحة عنق الرحم (FCU) وفق التوصيات الطبية، إلى جانب عدم إهمال الفحص الشعاعي للثدي (الماموغرافي)، لأن التشخيص المبكر يبقى السلاح الأقوى في مواجهة السرطان.

هل يمكن للمرأة أن تتجاهل نزيفا بسيطا إذا حدث مرة واحدة فقط؟

عبد الإله قوشيح: أبداً. حتى لو كان الأمر مجرد نقطة دم واحدة أو حدث لمرة واحدة فقط، فلا ينبغي تجاهله، لأن كمية الدم لا تعكس بالضرورة خطورة السبب.

هل يمكن أن يكون مصدر الدم من المثانة أو الجهاز الهضمي وليس من الرحم؟

عبد الإله قوشيح: نعم، وهذا احتمال وارد. فقد يكون مصدر النزيف من الجهاز البولي أو الهضمي، ولهذا يحرص الطبيب أثناء الفحص على تحديد مصدر الدم بدقة قبل الوصول إلى التشخيص النهائي.

ما أكثر الأخطاء التي تلاحظونها لدى النساء في التعامل مع هذا النوع من النزيف؟

عبد الإله قوشيح: أبرز الأخطاء هي تجاهل النزيف، أو تأجيل زيارة الطبيب، أو الاعتقاد بأنه أمر طبيعي بسبب التقدم في السن، أو اللجوء إلى تناول أدوية أو وصفات دون استشارة طبية، وهي ممارسات قد تؤخر تشخيص أمراض يمكن علاجها بفعالية إذا اكتشفت في وقت مبكر.

في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها للنساء؟

عبد الإله قوشيح: رسالتي واضحة: أي نزيف مهبلي بعد انقطاع الطمث ليس أمرا طبيعيا، حتى لو كان مجرد نقطة دم واحدة. لا أقول للمرأة أن تخاف، وإنما أن تتعامل مع الأمر بوعي، وأن تبادر إلى استشارة طبيب النساء دون تأخير.

في معظم الحالات يكون السبب بسيطا ويمكن علاجه بسهولة، لكن إذا كان النزيف ناتجا عن مرض أكثر خطورة، فإن التشخيص المبكر يمنح أفضل فرص العلاج والشفاء.

وأود أن أختم بالتأكيد على أن صحة المرأة لا تتوقف عند انقطاع الطمث، بل تبدأ مرحلة جديدة من الحياة تستحق نفس القدر من الاهتمام والرعاية والمتابعة الطبية المنتظمة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.