المستشارة النفسية مريم مدنيب: الحوار والتأهيل النفسي مفتاح نجاح الحياة الزوجية
بين اختيار النكافة، وقاعة الزفاف، والممون، وقائمة المدعوين، وأثاث البيت، و “بغيت داري بوحدي” ينشغل كثير من المقبلين على الزواج بترتيبات اليوم المنتظر، بينما يغيب سؤال لا يقل أهمية: هل نحن مستعدون نفسيا لخوض هذه التجربة؟
تمضي الأشهر الأولى من الزواج أحيانا بهدوء، قبل أن تبدأ الخلافات في الظهور بسبب اختلاف الطباع، وسوء التواصل، وتباين طرق التعامل مع الضغوط والمسؤوليات. عندها يكتشف بعض الأزواج أن المشكلة لم تكن في توفير الإمكانيات المادية، بل في غياب الاستعداد النفسي للحياة المشتركة.
وفي ظل ارتفاع معدلات الطلاق، وتزايد التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الأسرة المغربية، يبرز الحديث عن التأهيل النفسي قبل الزواج باعتباره خطوة وقائية تساهم في بناء علاقة أكثر وعيا واستقرارا، وتمنح المقبلين على الزواج أدوات لفهم ذواتهم وشركائهم، وإدارة الخلافات بطريقة صحية.
في هذا الحوار مع جريدة “صحة 24” و “الأول للأخبار“، تتحدث مريم مدنيب الممرضة المسؤولة بالمركز الصحي إرحالن بالدشيرة الجهادية والمستشارة النفسية ومدربة الحياة عن واقع الإعداد النفسي قبل الزواج في المغرب، وأهميته في تعزيز استقرار الأسرة، كما تقدم مجموعة من النصائح العملية التي ترى أنها تشكل أساسا لزواج ناجح وحياة أسرية أكثر توازنا.
هل ما يزال الشباب المغربي يركز على الاستعداد المادي للزواج أكثر من الإعداد النفسي؟
مريم مدنيب: من واقع تجربتي، أرى أن المجتمع المغربي لا يزال يمنح الأولوية للجوانب المادية قبل الزواج، مثل السكن، والعمل، وتكاليف العرس، وتأمين متطلبات العيش، بينما لا يحظى الإعداد النفسي بالاهتمام الذي يستحقه، رغم أنه لا يقل أهمية عن الاستعداد المادي.
فنجاح الحياة الزوجية لا يقوم على الجانب المادي وحده، بل يحتاج إلى توازن بين الاستقرار المادي والنفسي. فكثير من المقبلين على الزواج لا يمنحون أنفسهم الوقت الكافي للتعرف بعمق على شخصية الطرف الآخر، وطريقة تفكيره، وأسلوب تربيته، والبيئة التي نشأ فيها، وحتى التجارب أو الصدمات النفسية التي قد تؤثر في سلوكه.
كما أن لكل شخص أسلوبه الخاص في التعامل مع الخلافات؛ فمنهم من يفضل الصمت، ومنهم من ينفعل بسرعة، ومنهم من يلجأ إلى الحوار ومنهم من يترك الساحة فارغة ويفضل الإنسحاب. وغالبا لا تظهر هذه الجوانب خلال فترة الخطوبة حيث يكون التركيز منصبا على المظاهر والإمكانيات المادية، لكنها تتكشف بعد الزواج مع بداية أول اختلاف، لتبدأ الصدامات، ويتساءل الزوجان حينها إن كانا قد أحسنا الاختيار فعلا.
لذلك أرى أن التأهيل النفسي قبل الزواج أصبح ضرورة، لأنه يساعد الشريكين على فهم بعضهما البعض، وإدارة الخلافات بطريقة صحية، وبناء علاقة قائمة على التفاهم والاحترام. وأنصح كل مقبل ومقبلة على الزواج بالحرص على معرفة شخصية الطرف الآخر، وقيمه، وأسلوب حياته، لأن الأسرة المستقرة تبنى على التوافق النفسي بقدر ما تبنى على الاستقرار المادي.
كيف يؤثر غياب الإعداد النفسي على تعامل الأزواج مع مرحلة الحمل والولادة؟
مريم مدنيب: بلا شك، فالزواج في حد ذاته يمثل مرحلة انتقالية تتطلب استعدادا نفسيا حقيقيا. وفي مجتمعنا المغربي، ما تزال العادات والتقاليد تؤثر بشكل كبير في الحياة الزوجية، كما أن الزواج لا يجمع بين شخصين فقط، بل يمتد أثره إلى العائلتين، وهو ما يزيد أحيانا من حجم الضغوط والتوقعات.
وتعد مرحلة الحمل والولادة من أكثر المراحل حساسية في حياة الأسرة، لما يصاحبها من تغيرات جسدية ونفسية وهرمونية، إلى جانب مسؤوليات مالية وتربوية جديدة. وإذا لم يكن الزوجان مهيأين نفسيا لهذه المرحلة، فقد يجدان صعوبة في التكيف مع الواقع الجديد، ما قد يؤدي إلى زيادة التوتر، وسوء الفهم، وتصاعد الخلافات بينهما.
لذا فالإعداد النفسي قبل الزواج يساعد الزوجين على استيعاب طبيعة هذه التحولات، ويجعلهما أكثر استعدادا لمواجهتها بهدوء ووعي، كما يسهم في تنمية مهارات التواصل، وتقاسم المسؤوليات، وإدارة الضغوط بطريقة صحية.
وبطبيعة الحال، لا يمكن التعميم، فهناك أزواج ينجحون في تجاوز هذه المرحلة بفضل نضجهم الشخصي أو الدعم الذي يتلقونه من محيطهم، لكن في المقابل هناك كثيرون، خاصة من صغار السن أو قليلي الخبرة، يدخلون الحياة الزوجية دون إدراك كاف لحجم المسؤوليات والتغيرات التي تنتظرهم.
لذلك أرى أن مواكبة الأزواج من طرف مختص نفسي أو مرشد أسري أصبحت ضرورة، لأنها تساعدهم على فهم طبيعة كل مرحلة من مراحل الحياة الزوجية، واكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع الضغوط والتحديات، بما يعزز استقرار الأسرة ويحد من النزاعات.
سؤال: ما أبرز المحاور التي ينبغي أن تتضمنها برامج التأهيل النفسي قبل الزواج؟
مريم مدنيب: أرى أن برامج التأهيل النفسي قبل الزواج ينبغي أن تكون شاملة، وأن تجمع بين الجوانب النفسية والعملية، بما يهيئ الزوجين لبناء أسرة مستقرة وقادرة على مواجهة مختلف التحديات. ومن خلال تجربتي في المجال الصحي، وخصوصا في مواكبة الأزواج حديثي الزواج والنساء خلال مرحلتي الحمل والولادة، أنصح المقبلين على الزواج بالاستفادة من جلسات التوجيه مع مختص نفسي أو مرشد أسري، لما توفره من أدوات تساعدهم على فهم ذواتهم وشريك حياتهم بصورة أفضل.
ويأتي التواصل الفعال في مقدمة المحاور التي ينبغي التركيز عليها، لأنه يشكل حجر الأساس في نجاح العلاقة الزوجية. فالحوار الصادق والاحترام المتبادل والقدرة على التعبير عن المشاعر والاحتياجات بوضوح، كلها عوامل تساعد على احتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب تجاوزها.
كما ينبغي أن تشمل برامج التأهيل مهارات إدارة الخلافات وحل النزاعات، لأن كثيرا من المشكلات الزوجية لا تنتج عن حجم الخلاف، بل عن الطريقة التي يتم التعامل بها معه. فامتلاك مهارات الحوار، والإنصات، والتفاوض، والاحتواء، يجعل الزوجين أكثر قدرة على تجاوز المواقف الصعبة دون أن تؤثر في استقرار الأسرة.
ومن الجوانب المهمة أيضا تعزيز الذكاء العاطفي، وفهم الاحتياجات النفسية والجسدية للطرف الآخر. فنجاح الحياة الزوجية لا يقوم على الحب وحده، بل يحتاج إلى التعاطف، والاحتواء، والقدرة على فهم احتياجات الشريك والتفاعل معها بإيجابية.
وأرى كذلك أن تقاسم المسؤوليات الأسرية يجب أن يكون جزءا أساسيا من برامج التأهيل، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية التي تعرفها الأسرة المغربية، حيث أصبح الزوج والزوجة يعملان معا في كثير من الحالات. لذلك فإن تقاسم أعباء المنزل ورعاية الأبناء يعكس مفهوم الشراكة الحقيقية داخل الأسرة، ولا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره انتقاصا من دور أي من الطرفين، بل باعتباره مسؤولية مشتركة، لا سيما خلال فترتي الحمل والولادة وما بعدهما.
ومن الضروري أيضا التوعية بالتغيرات النفسية والجسدية التي تمر بها المرأة أثناء الحمل وبعد الولادة، حتى يكون الزوج أكثر وعيا بهذه المرحلة وقادرا على تقديم الدعم المناسب، وفي المقابل تكتسب المرأة المعارف التي تساعدها على العناية بصحتها النفسية والجسدية والتعامل مع هذه التغيرات.
كما ينبغي أن تشمل برامج التأهيل محاور تتعلق بـالتربية الإيجابية للأبناء، حتى يكتسب الزوجان أساليب تربوية سليمة منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، إضافة إلى إدارة الضغوط وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، لأن الحفاظ على هذا التوازن ينعكس مباشرة على استقرار الأسرة وجودة العلاقات داخلها.
ولا يقل أهمية عن ذلك التثقيف المرتبط بالعلاقة الحميمة، فهو من المواضيع التي ما تزال تناقش بحذر في مجتمعنا، رغم أنه يمثل أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الحياة الزوجية. فالحوار الواعي حول الاحتياجات المتبادلة، في إطار من الاحترام والثقة، يسهم في تعزيز التفاهم والاستقرار بين الزوجين.
وفي تقديري، فإن إدراج هذه المحاور ضمن برامج التأهيل قبل الزواج أصبح ضرورة، لأنها تمنح الزوجين المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع مختلف المراحل التي قد يمران بها، وتساعدهما على بناء علاقة تقوم على الوعي، والتفاهم، والاحترام المتبادل، بما ينعكس إيجابا على استقرار الأسرة والمجتمع.
لو طُلب منكم توجيه ثلاث نصائح نفسية لكل مقبل على الزواج، فما هي؟
مريم مدنيب: إذا أردت أن أوجه ثلاث رسائل لكل مقبل ومقبلة على الزواج، فإن أولها هي التعرف على شريك الحياة بوعي، بعيدا عن البحث عن الكمال.
أنا لا أؤيد إطالة فترة التعارف لسنوات، لأن أغلب الأشخاص خلال هذه المرحلة يحرصون على إظهار أفضل ما لديهم، بينما تتكشف الشخصية الحقيقية مع الاحتكاك اليومي وتقاسم المسؤوليات بعد الزواج. لذلك أرى أن فترة تعارف معقولة، تتيح لكل طرف التعرف على قيم الآخر، وطريقة تفكيره، وبيئته الأسرية، وأهدافه في الحياة، كافية لاتخاذ قرار واع. كما أنصح بعدم البحث عن شريك مثالي، فالكمال لله وحده، بينما تقوم الحياة الزوجية الناجحة على التكامل والتفاهم.
أما النصيحة الثانية، فهي جعل الحوار أساس العلاقة الزوجية مع تقبل الاختلاف. فلكل شخص خلفيته التربوية والاجتماعية وتجاربه الخاصة، لذلك يبقى الاختلاف بين الزوجين أمرا طبيعيا، وقد يكون مصدر قوة إذا أُحسن التعامل معه.
وأؤكد دائما أن الحوار الصادق والهادئ هو المفتاح الحقيقي لحل الخلافات، لذلك أنصح الأزواج بتجنب الصمت العقابي أو الهروب من النقاش عند وقوع المشكلات، لأن ذلك لا يحلها بل يزيدها تعقيدا. كما لا أنصح بتحويل غرفة النوم إلى وسيلة للمقاطعة أو الهجر، لأن استمرار القطيعة يوسع فجوة سوء الفهم، بينما يساعد التواصل في احتواء الخلاف منذ بدايته والحفاظ على المودة بين الزوجين.
أما الرسالة الثالثة، فهي النظر إلى الزواج باعتباره شراكة تقوم على التعاون لا المنافسة. فالحياة الزوجية ليست ساحة لإثبات من هو الأقوى أو الأكثر نجاحا، وإنما مشروع مشترك يقوم على الدعم المتبادل، وتقاسم المسؤوليات، والعمل بروح الفريق.
فنجاح أحد الزوجين هو نجاح للأسرة كلها، وأي تعثر ينعكس على الجميع. وعندما تواجه العلاقة صعوبات يصعب تجاوزها، فإن اللجوء إلى مختص نفسي أو مرشد أسري يعد خطوة إيجابية ومسؤولة، لأنه يساعد على تقديم حلول مهنية وموضوعية، بعيدا عن الانحياز الذي قد يحدث أحيانا عند إشراك أفراد العائلة في الخلافات.
كلمة أخيرة؟
مريم مدنيب: أود أن أؤكد أن الزواج ليس أمرا سهلا، فهو يجمع بين شخصين لكل منهما شخصية مختلفة، وتربية مختلفة، وتجارب حياتية مختلفة. لذلك فإن بناء أسرة مستقرة وصحية يتطلب جهدا مشتركا، ورغبة حقيقية في إنجاح العلاقة، ولا يكفي أن يقوم على الحب أو حسن النية وحدهما.
ومن الضروري أن يحرص الزوجان على الحوار المستمر، وأن يمنح كل منهما الوقت الكافي لفهم شخصية الآخر واحتياجاته وتوقعاته، مع عدم التردد في مناقشة مختلف الجوانب المرتبطة بالحياة الزوجية، سواء كانت نفسية، أو اجتماعية، أو مادية، أو جنسية، لأن هذه المواضيع تمثل ركائز أساسية لاستقرار الأسرة، ولا ينبغي أن تبقى من المسكوت عنها.
كما أشجع على الاستفادة من المرافقة النفسية والاستشارة الأسرية، ليس فقط عند ظهور المشكلات، بل أيضا كوسيلة للوقاية وبناء علاقة أكثر وعيا وتوازنا. فطلب المساعدة من المختصين يعكس الوعي والمسؤولية والحرص على نجاح الحياة الزوجية، ولا ينبغي أن ينظر إليه على أنه دليل على الفشل.
وفي الختام، تبقى الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، وكلما استثمرنا في التوعية، والتأهيل النفسي، والمواكبة الأسرية، زادت فرص بناء أسر مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة. فالاستثمار في الإنسان يبدأ من الأسرة، والأسرة الواعية هي الأساس الذي يُبنى عليه مجتمع متماسك وأكثر استقرارا.