بين الجهل والإهمال: لقاح الكزاز درع خفي لحماية الأمهات والأطفال

0

يعدّ لقاح الكزاز (التيتانوس) واحداً من أهم اللقاحات الأساسية في برامج الصحة العمومية، رغم أنه لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي من طرف بعض الفئات. وتكمن أهميته في كونه وسيلة فعالة للوقاية من مرض خطير قد يؤدي إلى مضاعفات مميتة، خصوصاً لدى حديثي الولادة والنساء في سن الإنجاب.

الكزاز مرض تسببه بكتيريا تُسمى Clostridium tetani، توجد بشكل طبيعي في التربة والغبار والبيئات غير النظيفة. وتدخل هذه البكتيريا إلى الجسم عبر جروح بسيطة أو عميقة، أو أثناء الولادة في حال غياب التعقيم الجيد. ورغم أن الإصابة به ليست شائعة في بعض المناطق، إلا أن خطورته كبيرة جداً، إذ يهاجم الجهاز العصبي ويسبب تقلصات عضلية شديدة قد تؤدي إلى اختناق أو توقف التنفس في الحالات المتقدمة.

لماذا يُعطى لقاح الكزاز للنساء في سن الإنجاب؟

في المغرب، يندرج لقاح الكزاز ضمن برنامج التلقيح الوطني الموجه للنساء، خاصة في سن الإنجاب، وذلك بهدفين رئيسيين:

  • حماية المرأة نفسها من خطر الإصابة بالكزاز في حال التعرض لجروح أو خلال الولادة.
  • حماية المولود الجديد من “كزاز حديثي الولادة”، وهو من أخطر أشكال المرض، ويحدث غالباً بسبب تلوث السرة بعد الولادة في ظروف غير معقمة.

وتعتمد الوقاية هنا على فكرة بسيطة وفعالة: عندما تتلقى الأم اللقاح، تنتقل الأجسام المضادة إلى الجنين عبر المشيمة، مما يمنحه مناعة مؤقتة خلال الأشهر الأولى من حياته، وهي فترة حساسة جداً.

نظام الجرعات المعتمد في المغرب

يعتمد التلقيح ضد الكزاز على سلسلة من الجرعات التكميلية التي تُعطى تدريجياً لضمان مناعة قوية وطويلة الأمد:

  • الجرعة الأولى (TT1): تعطى للمرأة غير الملقحة في أي وقت عند زيارة المركز الصحي.
  • الجرعة الثانية (TT2): بعد 4 أسابيع على الأقل من الجرعة الأولى، وتوفر حماية أولية تمتد لعدة سنوات.
  • الجرعة الثالثة (TT3): بعد 6 أشهر إلى سنة من الجرعة الثانية، وتُعزز المناعة بشكل أكبر.
  • الجرعة الرابعة (TT4): بعد سنة على الأقل من الجرعة الثالثة.
  • الجرعة الخامسة (TT5): بعد سنة على الأقل من الجرعة الرابعة، وتعتبر جرعة تمنح مناعة طويلة الأمد قد تمتد لسنوات طويلة جداً.

بعد إتمام هذه السلسلة، غالباً ما لا تحتاج المرأة إلا إلى جرعات تذكيرية فقط في حالات خاصة، مثل الحمل أو الجروح الخطيرة، حسب تقييم الطاقم الصحي.

التلقيح أثناء الحمل وبعده

يُوصى عادة بأخذ لقاح الكزاز قبل الحمل أو خلاله، خاصة إذا لم تكن المرأة قد استكملت جرعاتها سابقاً. غير أن الواقع العملي يبين أن بعض النساء قد لا يتلقين اللقاح في الوقت المناسب، وهنا تؤكد التوصيات الصحية أنه يمكن أخذه بعد الولادة دون أي خطر.

كما أن لقاح الكزاز:

  • آمن أثناء الرضاعة الطبيعية
  • لا يؤثر على صحة الأم أو الرضيع
  • يمكن أخذه في أي وقت بعد الولادة لتعزيز المناعة المستقبلية

لكن تبقى الوقاية المبكرة هي الأفضل، لأنها تضمن حماية الطفل منذ لحظة ولادته الأولى، وهي الفترة الأكثر حساسية في حياته.

كزاز حديثي الولادة.. خطر يمكن تفاديه

يُعد كزاز حديثي الولادة من أخطر أشكال المرض، وغالباً ما ينتج عن استعمال أدوات غير معقمة لقطع الحبل السري أو عدم احترام شروط النظافة أثناء الولادة. وتكمن خطورته في أنه قد يتطور بسرعة كبيرة خلال الأيام الأولى من حياة الطفل.

وهنا تبرز أهمية تلقيح الأم، لأنه يشكل “درعاً وقائياً غير مباشر” يحمي الرضيع قبل أن يتمكن من تلقي لقاحاته الخاصة.

الوعي الصحي.. الحلقة الأضعف

رغم توفر اللقاح مجاناً في المراكز الصحية، إلا أن ضعف الوعي لدى بعض النساء بأهميته، أو الاعتقاد بأنه غير ضروري في حالة عدم وجود أعراض، يجعل من التوعية الصحية أمراً ضرورياً.

لذلك، فإن تعزيز ثقافة التلقيح، خصوصاً في صفوف النساء الحوامل أو المقبلات على الحمل، يبقى خطوة أساسية في تقليص المخاطر المرتبطة بالكزاز، وضمان بداية حياة صحية وآمنة للأطفال.

لقاح الكزاز ليس مجرد حقنة روتينية، بل هو إجراء وقائي بسيط قادر على إنقاذ حياة الأم والطفل معاً. وبين سهولة التلقيح وخطورة المرض، يبقى الخيار الصحي الواضح هو الالتزام بالبرنامج الوطني للتلقيح دون تأخير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.