دراسة تكشف رابطاً بين أمراض المناعة الذاتية وسرطان الغدد الليمفاوية وتفسّر آلية الخلل المناعي
توصّلت دراسة علمية حديثة إلى تفسير جديد للعلاقة المعقدة بين الإصابة بأمراض المناعة الذاتية وارتفاع احتمال الإصابة لاحقاً بسرطان الغدد الليمفاوية، وهو ارتباط ظل لسنوات محطّ نقاش بين الباحثين دون إجابات حاسمة.
كيف يعمل الجهاز المناعي؟
صُمّم الجهاز المناعي لحماية الجسم من الفيروسات والبكتيريا، لكنه قد ينقلب في بعض الحالات ضد أنسجة الجسم نفسها، كما هو الحال في أمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة الحمراء، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وهاشيموتو، وشوغرن، والصدفية.
ويعتمد هذا الجهاز على نوعين أساسيين من خلايا الدم البيضاء: الخلايا البائية المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة للتعرّف على المهاجمين، والخلايا التائية التي تنظّم الاستجابة المناعية وتتحكم في شدّتها. وفي الحالة الطبيعية، يعمل هذا النظام بتوازن دقيق يضمن الحماية دون ضرر داخلي.
عندما يختل التوازن المناعي
الدراسة، التي أجراها باحثون في جامعة أوسلو ونُشرت في مجلة Nature Communications، قدّمت تصوراً جديداً لكيفية تطور هذا الخلل.
ووفق النتائج، فإن المشكلة تبدأ عندما يصبح التفاعل بين الخلايا البائية والتائية مفرطاً وغير مضبوط، ما يؤدي إلى حالة من “التنشيط المستمر” للخلايا المناعية.
ويشير البروفيسور بيارنه بوغن، أحد المشاركين في الدراسة، إلى أن هذا النشاط غير الطبيعي قد يكون في البداية سبباً في ظهور أمراض المناعة الذاتية، لكنه مع الوقت قد يخلق بيئة تساعد على تطور سرطانات الدم، وعلى رأسها سرطان الغدد الليمفاوية.
إشارتان أساسيتان وراء الخلل
حدّد الباحثون مسارين رئيسيين يقودان إلى هذا الاضطراب:
- الأول يحدث عندما تخطئ الخلايا البائية في التعرف على مكونات الجسم وتتعامل معها كأنها أجسام غريبة، ما يسبب تنشيطاً غير طبيعي.
- أما الثاني فيظهر عندما تتفاعل الخلايا التائية مع أجزاء من الأجسام المضادة التي تنتجها الخلايا البائية، مما يزيد من حدة الاستجابة المناعية.
في الوضع الطبيعي، تتولى الخلايا التائية التنظيمية ضبط هذا التفاعل ومنع خروجه عن السيطرة، لكن في بعض الحالات تفشل هذه الآلية، فيتحول النشاط المناعي إلى حالة مزمنة.
من اضطراب مناعي إلى احتمال سرطاني
تشير الدراسة إلى أن استمرار هذا التنشيط لفترات طويلة يؤدي إلى تكاثر الخلايا بشكل متكرر، ما يرفع احتمالات حدوث أخطاء جينية. ومع مرور الوقت، قد تتحول بعض هذه الخلايا إلى خلايا سرطانية.
وبهذا، يصبح المرض المناعي الذاتي، الذي يبدأ كخلل في جهاز الدفاع، أحد العوامل المساعدة في تطور سرطان الغدد الليمفاوية، وهو ما يفسر هذا الارتباط الذي حيّر العلماء لفترة طويلة.
آفاق علاجية جديدة
يرى الباحثون أن هذا الفهم الجديد قد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية أكثر دقة، تستهدف إيقاف الخلل المناعي في مراحله المبكرة قبل تطوره إلى مضاعفات أخطر.
ويؤكد بوغن أن التدخل المبكر قد يساعد على تقليل خطر التحول السرطاني عبر ضبط نشاط الجهاز المناعي قبل وصوله إلى مرحلة الانفلات.
الخطر موجود لكنه غير حتمي
في المقابل، يوضح مختصون في أمراض الروماتيزم والمناعة أن هذا الخطر لا يعني أن جميع المرضى معرضون للإصابة بالسرطان.
ويُعتبر مرض شوغرن الأكثر ارتباطاً بزيادة هذا الاحتمال، بينما تبقى النسب أقل في أمراض مثل الذئبة والروماتويد والصدفية وهاشيموتو، مع غياب بروتوكول وقائي محدد بسبب ندرة الحالات.
أهمية المتابعة ونمط الحياة
يشدد الأطباء على ضرورة المتابعة الطبية المنتظمة لمرضى المناعة الذاتية، لما لها من دور في الكشف المبكر عن أي تغيرات غير طبيعية.
كما ينصحون بالاهتمام بنمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والنوم الكافي، وتقليل التوتر، لما لذلك من أثر في تخفيف نشاط المرض والحد من مضاعفاته.
تكشف هذه الدراسة عن جانب دقيق في عمل الجهاز المناعي، حيث يمكن لمنظومة الحماية أن تتحول، في ظروف معينة، إلى عامل خطر. وبين هذا التوازن المعقّد، يظل التقدم العلمي مفتاحاً لفهم أعمق، وربما لتقليل المخاطر قبل وصولها إلى مراحلها الحرجة.