خبراء يدقون ناقوس الخطر بشأن مرحلة ما بعد الإنعاش ويدعون إلى مسارات رعاية متخصصة

0

غم التطور الذي شهدته أقسام الإنعاش والعناية المركزة في إنقاذ آلاف المرضى ورفع نسب النجاة، إلا أن رحلة التعافي لا تنتهي عند مغادرة المستشفى. فبالنسبة لكثير من الناجين، تبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الصحية والنفسية والاجتماعية، ما دفع خبراء وأطباء مغاربة ودوليين إلى المطالبة بإعادة النظر في طرق مواكبة المرضى بعد الإنعاش وإدراج هذه المرحلة ضمن أولويات السياسات الصحية.

هذا الموضوع كان في صلب النقاشات التي احتضنتها النسخة التاسعة من الأيام العلمية لرابطة الأطباء الاختصاصيين في التخدير والإنعاش بالشمال، التي انعقدت بمدينة طنجة بمشاركة مئات الأطباء والباحثين والخبراء من المغرب وخارجه، تحت شعار “المستجدات والابتكارات في التخدير والإنعاش”.

وخلال أشغال الملتقى، حظيت جلسة خصصت لموضوع “الحياة بعد العناية المركزة والإنعاش” باهتمام خاص، باعتبارها من أوائل المبادرات العلمية التي تفتح النقاش حول مرحلة غالبا ما تظل بعيدة عن الاهتمام الطبي والإعلامي، رغم ما تطرحه من تحديات معقدة تؤثر بشكل مباشر على حياة المرضى بعد مغادرة المستشفى.

وفي هذا السياق، أكد البروفيسور محمد غسان أديب، رئيس الجمعية المغربية لطب المستعجلات، أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا في مجالات التخدير والإنعاش والعناية المركزة، بفضل تحديث التجهيزات الطبية وتطور الكفاءات البشرية وتحسن برامج التكوين.

وأوضح أن النجاح الذي تحققه أقسام الإنعاش لا ينبغي أن يقاس فقط بإنقاذ حياة المرضى في المرحلة الحرجة، بل بقدرتهم على استعادة استقلاليتهم الجسدية والنفسية والاندماج مجددا في حياتهم الأسرية والاجتماعية والمهنية.

وأشار إلى أن عددا من المرضى يواجهون بعد مغادرة العناية المركزة اضطرابات صحية قد تستمر لفترات طويلة، تشمل تراجعا في القدرات الحركية أو الإدراكية، فضلا عن مشاكل نفسية مرتبطة بتجربة المرض أو الإقامة المطولة داخل أقسام الإنعاش.

وكشف المتحدث أن شهادات قدمها مرضى سابقون وأفراد من أسرهم خلال اللقاء عكست حجم المعاناة التي يواجهها كثير من الناجين بعد عودتهم إلى حياتهم اليومية، وسلطت الضوء على النقص المسجل في خدمات المواكبة وإعادة التأهيل خلال هذه المرحلة الحساسة.

ودعا أديب إلى إحداث بنيات متخصصة تُعنى بمواكبة المرضى بعد الخروج من أقسام العناية المركزة، مع توفير برامج لإعادة التأهيل الحركي والنفسي والاجتماعي، وإشراك مختلف المتدخلين من مهنيين صحيين ومؤسسات اجتماعية وجمعيات مدنية في هذا المسار.

كما شدد على ضرورة تطوير الإطار التنظيمي والتشريعي بما يضمن استفادة هذه الفئة من خدمات التأهيل والمتابعة والتغطية الصحية الملائمة، معتبرا أن جودة الحياة بعد العلاج ينبغي أن تشكل أحد المؤشرات الأساسية لنجاح المنظومة الصحية.

وعلى هامش هذا النقاش، تناول الملتقى العلمي عددا من القضايا المرتبطة بأحدث التطورات في تخصص التخدير والإنعاش والعناية المركزة.

وأوضح الدكتور عزيز سدراوي، رئيس رابطة الأطباء الاختصاصيين في التخدير والإنعاش بالشمال، أن الدورة عرفت مشاركة واسعة لخبراء وأساتذة وباحثين من المغرب وفرنسا وسويسرا وإنجلترا ومصر والولايات المتحدة الأمريكية، ما أتاح تبادل التجارب والاطلاع على أحدث الممارسات والتوصيات الدولية.

وأضاف أن البرنامج العلمي ناقش مواضيع متنوعة شملت الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية، وتدبير حالات توقف القلب خلال الجراحة، ومستجدات التخدير الموضعي، وأمراض المناعة الذاتية داخل أقسام الإنعاش، ومتلازمة الضائقة التنفسية الحادة، إضافة إلى الدور المتزايد للميكروبيوتا في العناية المركزة.

كما تضمن الملتقى ورشات تطبيقية متخصصة حول التهوية الاصطناعية وعلاج الألم ومراقبة المرضى داخل أقسام الإنعاش، فضلا عن جلسات علمية تناولت استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في دعم القرارات الطبية، والتخدير في الجراحة الروبوتية، ومستجدات تدبير المرضى الخاضعين للعلاج بمضادات التخثر.

من جهتها، أكدت الدكتورة حسناء فضيلي علوي، الكاتبة العامة للرابطة وطبيبة التخدير والإنعاش وعلاج الألم المزمن، أن الإقبال الكبير الذي شهدته الدورة يعكس حرص الأطباء على مواكبة التحولات العلمية المتسارعة التي يعرفها التخصص.

وأضافت أن موضوع “الحياة بعد العناية المركزة” برز كأحد أهم محاور النقاش خلال هذه الدورة، بالنظر إلى أبعاده الصحية والإنسانية، وما يفرضه من ضرورة اعتماد مقاربة متعددة التخصصات تضمن استمرارية الرعاية وتحسين فرص التعافي والاندماج بعد الخروج من المستشفى.

وخلص المشاركون إلى التأكيد على أهمية تعزيز التكوين المستمر وتشجيع البحث العلمي والاستثمار في الابتكار، إلى جانب تطوير برامج وطنية خاصة بمواكبة المرضى بعد الإنعاش، بما يضمن انتقالهم من مرحلة النجاة إلى مرحلة استعادة جودة الحياة بشكل كامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.