بطانة الرحم المهاجرة: البروفيسور قوشيح يوضح أسباب تأخر التشخيص ويدعو إلى تعزيز التوعية بالمرض
في زاوية هادئة داخل باحة الانتظار بجناح طب النساء والتوليد بالمستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير، كانت شابة في مقتبل العمر تجلس بصمت تنتظر دورها، حاملة معها قصة امتدت قرابة 15 سنة من الألم قبل أن تجد تفسيرا لما كانت تعيشه.
لم يكن المشهد مجرد انتظار عادي لموعد طبي، بل لحظة تختزل سنوات طويلة من المعاناة مع مرض ظل مجهول الاسم لسنوات، قبل أن يُشخص أخيرا على أنه بطانة الرحم المهاجرة. بين وجوه المرضى المتناثرة في القاعة، كانت هذه الشابة تعيد ترتيب تفاصيل رحلة بدأت منذ الطفولة، حين كان الألم يُفسَّر على أنه أمر “طبيعي”، بينما كان في الواقع علامة على مرض مزمن يحتاج إلى تشخيص دقيق وعلاج متخصص.
لم تكن الشابة تعلم، وهي تتابع دراستها في سنواتها الأولى، أن الألم الذي يرافقها كل شهر ليس مجرد “وجع عابر”، بل بداية رحلة طويلة مع مرض مزمن سيستمر معها لسنوات دون تشخيص دقيق.
بين ألم حاد ونزيف، كان الأمر في كثير من الأحيان يعيقها عن الذهاب إلى المدرسة أو ممارسة حياتها بشكل طبيعي. ومع كل نوبة ألم، كانت الإجابة تتكرر: “هذا أمر طبيعي عند الفتيات، تحمّلي”.
لكن الألم لم يكن عاديا. كان يشتد مع مرور السنوات، ويصبح أكثر تأثيرا على حياتها اليومية، إلى أن أصبح جزءا من تفاصيلها الدراسية والاجتماعية، يحد من نشاطها ويجبرها على الغياب المتكرر عن دروسها.
ورغم زياراتها المتكررة للأطباء، بقي التشخيص غائبا لسنوات طويلة، إلى أن تبيّن لاحقا أنها تعاني من بطانة الرحم المهاجرة، مرض مزمن قد يختبئ خلف أعراض تشبه أمراضا أخرى، ما يجعل اكتشافه صعبا ومتأخرا في كثير من الحالات.
مرض مزمن يتخفى خلف أعراض متشابهة
يوضح عبد الإله قوشيح أستاذ متخصص في أمراض النساء والتوليد بكلية الطب بأكادير و بالمستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير، أن بطانة الرحم المهاجرة تحدث عندما تنمو أنسجة شبيهة ببطانة الرحم خارج مكانها الطبيعي، وتكون غالبا داخل الحوض، على مستوى المبيضين أو قناتي فالوب أو الغشاء البريتوني، وقد تمتد في بعض الحالات إلى الأمعاء أو المثانة.
هذه الأنسجة تتفاعل مع التغيرات الهرمونية الشهرية، مما يؤدي إلى التهابات مزمنة وآلام قد تكون شديدة، إضافة إلى التصاقات داخلية قد تعقّد الوضع الصحي للمريضة.
ويؤكد المتحدث في تصريح لجريدة : “صحة 24” الإلكترونية، أن هذا المرض يكون مزمنا، يبدأ غالبا بعد البلوغ وقد يستمر إلى سن انقطاع الطمث، لكنه لا يعني فقدان الأمل أو العقم، بل يتطلب فقط تشخيصا مبكرا ومقاربة علاجية مخصصة حسب كل حالة.
أعراض قد تُربك التشخيص
من أبرز ما يجعل هذا المرض معقدا في التشخيص، حسب المختص، أن أعراضه تتشابه مع أمراض أخرى شائعة مثل القولون العصبي أو التهابات المسالك البولية أو آلام الدورة العادية.
ويشير إلى أن العلامة الأكثر دلالة هي الألم الشديد وغير الطبيعي خلال الدورة الشهرية، خصوصا عندما يمنع المرأة من الدراسة أو العمل أو النوم بشكل طبيعي.
كما قد تظهر أعراض أخرى مثل:
- آلام مزمنة أسفل البطن
- ألم أثناء التبول أو التبرز خلال فترة الحيض
- انتفاخ واضطرابات هضمية
- تعب شديد وإرهاق متكرر
- وفي بعض الحالات تأخر في الحمل
لكن المشكلة، كما يوضح قوشيح، أن التحاليل الأولية أو الإيكوغرافيا قد تبدو طبيعية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى طمأنة خاطئة وتأخر في التشخيص.
بين العلاج والمتابعة
يشدد البروفيسور قوشيح على أن علاج بطانة الرحم الهاجرة يعتمد على كل حالة على حدة، ولا يوجد علاج واحد يناسب الجميع.
وتشمل الخيارات العلاجية:
- مسكنات ومضادات التهاب
- علاجات هرمونية مثل حبوب منع الحمل أو اللولب الهرموني
- أدوية تقلل نشاط المبيض مؤقتا في بعض الحالات
- والجراحة بالمنظار في الحالات المعقدة أو الشديدة
ويؤكد أن التدخل الجراحي يجب أن يكون محسوبا بدقة، خصوصا على مستوى المبيض، لتفادي التأثير على مخزون الخصوبة.
كما يمكن اللجوء إلى تقنيات المساعدة على الإنجاب عند وجود تأخر في الحمل حسب كل حالة.
متابعة ضرورية واحتمال عودة المرض
ويضيف قوشيح أن المرض قد يعود في بعض الحالات، خصوصا إذا كانت الإصابة واسعة أو لم يتم علاجها بشكل كامل، مما يجعل المتابعة الطبية عنصرا أساسيا في التحكم في الأعراض على المدى الطويل.
العلاج الهرموني والتوعية: بين الفعالية وحدود الفهم
فيما يتعلق بالعلاج، يوضح البروفيسور أن العلاجات الهرمونية تُعد من الخيارات الفعالة لدى العديد من النساء في التخفيف من الألم والحد من نشاط المرض، غير أنها لا تُناسب جميع الحالات.
فهي قد لا تكون خيارا مناسبا للنساء اللواتي يرغبن في الحمل بشكل فوري، لأنها قد توقف الإباضة مؤقتا خلال فترة الاستعمال.
كما أن هذه العلاجات لا تؤدي بالضرورة إلى اختفاء البؤر المرضية بشكل كامل، لكنها تعمل أساسا على تهدئة نشاط المرض وتقليل الالتهاب وتخفيف الأعراض، ما يجعلها جزءا من مقاربة علاجية طويلة الأمد وليس حلا نهائيا.
ولهذا، يؤكد المختص أن اختيار العلاج الهرموني يظل قرارا فرديا يُبنى على عمر المريضة، وشدة الأعراض، ورغبتها في الإنجاب، إضافة إلى موانع الاستعمال الطبية.
التوعية: الحلقة الغائبة في مسار التشخيص
ويشدّد هذا الأخير على أن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بالجانب الطبي، بل أيضا بالوعي المجتمعي. فكثير من الفتيات يُقال لهن منذ البداية إن ألم الدورة أمر طبيعي يجب تحمّله، في حين أن الألم الذي يعطّل الدراسة أو العمل أو الحياة اليومية يستوجب تقييما طبيا دقيقا.
ومن هنا، يدعو المتحدث إلى إطلاق برامج توعوية داخل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، مع تعزيز دور الطب العام في التشخيص الأولي، وتوجيه الحالات نحو أطباء النساء والمراكز المتخصصة في الوقت المناسب. كما يؤكد أن وجود مسارات إحالة واضحة داخل المنظومة الصحية من شأنه أن يختصر سنوات من المعاناة والتأخر في التشخيص.
رسالة للفتيات والنساء
ويختم البروفيسور قوشيح بالتأكيد على أن الألم الشديد خلال الدورة الشهرية ليس عرضا يجب تجاهله أو التعايش معه بصمت.
فإذا كان الألم يعيق الدراسة أو العمل أو النوم، أو يستدعي استعمال المسكنات بشكل متكرر كل شهر، فإن طلب الاستشارة الطبية خطوة أساسية نحو التشخيص الصحيح.
ويضيف أن التشخيص المبكر لا يحسن فقط جودة الحياة، بل قد يساهم أيضا في الحفاظ على الخصوبة وتقليل المضاعفات المستقبلية.