دراسة تكشف علاقة “مريء باريت” بسرطان المريء الغدي وتفتح الباب للكشف المبكر

0

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية عن تطور مهم في فهم العلاقة بين مريء باريت وسرطان المريء الغدي، وهو ما قد يفتح آفاقاً جديدة للكشف المبكر عن هذا النوع من السرطان والوقاية منه.

ويُعرف مريء باريت بأنه حالة مرضية يحدث فيها تغيير في بطانة الجزء السفلي من المريء، بحيث تتحول إلى أنسجة شبيهة بتلك الموجودة في الأمعاء، نتيجة التعرض المزمن لأحماض المعدة، خصوصاً لدى الأشخاص المصابين بالارتجاع المعدي المريئي المزمن.

ورغم أن هذه الحالة لا تُعد سرطانية في حد ذاتها، فإنها تُعتبر مؤشراً طبياً مهماً، إذ قد تمثل المرحلة الأولى التي تسبق تطور سرطان المريء الغدي، وهو أحد أخطر أنواع سرطانات الجهاز الهضمي.

ولسنوات طويلة، حيّر العلماء سبب اختفاء خلايا مريء باريت لدى عدد من المرضى عند تشخيص السرطان، رغم الأدلة التي تربط بينها وبين نشوء المرض، وهو ما ظل لغزاً علمياً لما يقارب عقدين.

وفي دراسة رصدية حديثة نُشرت في مجلة “Nature” في أبريل الجاري، بقيادة البروفيسورة ريبيكا فيتزجيرالد، توصل الباحثون إلى نتائج تدعم بقوة اعتبار مريء باريت مؤشراً تنبؤياً للإصابة بسرطان المريء الغدي، ما يعزز إمكانيات الاعتماد عليه كأداة للكشف المبكر.

وتُعد فيتزجيرالد من أبرز الباحثين في مجال الوقاية والكشف المبكر عن السرطان، حيث تشغل منصب أستاذة الوقاية من السرطان ومديرة معهد السرطان المبكر بجامعة كامبريدج، وقد ساهمت أبحاثها في تطوير تقنيات تشخيصية متقدمة لسرطانات الجهاز الهضمي.

وشملت الدراسة تحليل بيانات 3100 مريض، تم تقسيمهم إلى مجموعتين: مجموعة ظهرت لديهم خلايا مريء باريت بشكل واضح، وأخرى لم تُسجل لديهم أي مؤشرات لهذه الحالة. كما اعتمد الباحثون على تحليل سريري ووبائي شامل، إلى جانب إجراء تسلسل جيني لعينات مأخوذة من 710 مرضى.

وخلال البحث، طرح العلماء فرضيتين رئيسيتين لتفسير نشأة سرطان المريء الغدي؛ الأولى تفترض إمكانية تطور المرض بوجود أو غياب مريء باريت، بينما الثانية ترجّح وجود مسار واحد مشترك تبدأ منه جميع الحالات، ما يجعل مريء باريت خطوة أساسية في تطور المرض.

وأظهرت النتائج عدم وجود اختلافات جينية جوهرية بين الخلايا السرطانية قيد الدراسة، وهو ما يدعم الفرضية الثانية التي ترى أن مريء باريت يمثل المرحلة التمهيدية الأساسية لنشوء السرطان.

لكن المفاجئ في النتائج أن 35% فقط من المرضى كانت لديهم علامات واضحة لمريء باريت، بينما لم تُرصد أي دلائل عليه لدى باقي الحالات، خاصة في المراحل المتقدمة من المرض.

وفي محاولة لتفسير هذا التناقض، اكتشف الباحثون وجود بروتينات مثل TFF3 وREG4 لدى جميع المرضى، ما يشير إلى أن الخلايا السرطانية قد تقوم باجتياح وتدمير خلايا مريء باريت أثناء تطورها، الأمر الذي يفسر اختفائها في بعض الحالات المتقدمة.

وتؤكد الباحثة شهريار زماني، إحدى المشاركات في الدراسة، أن النتائج تشير إلى مسار تطوري واحد لسرطان المريء الغدي يبدأ من خلايا مريء باريت، ما يعزز أهمية استهداف هذه الحالة في مراحلها المبكرة للوقاية من السرطان.

كما أوصى الباحثون بإمكانية اعتماد بروتيني TFF3 وREG4 كمؤشرات حيوية واعدة تساعد في التنبؤ المبكر بخطر الإصابة بسرطان المريء.

وتأتي هذه النتائج امتداداً لأبحاث سابقة، من بينها دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة “Science”، والتي أشارت إلى أن خلايا سرطان المريء قد تنشأ من تحولات تدريجية في خلايا المعدة قبل أن تتخذ شكل خلايا باريت.

وفي سياق متصل، يُعد مريء باريت حالة غير شائعة نسبياً، إذ تصيب أقل من 1% من السكان عالمياً، لكنها تحمل خطورة كامنة، حيث تشير التقديرات إلى أن أقل من 5% من المصابين بها قد تتطور لديهم الحالة إلى سرطان المريء الغدي.

ويرتبط ظهور هذه الحالة أساساً بالارتجاع المعدي المريئي المزمن، الذي يؤدي إلى تغيرات طويلة الأمد في بطانة المريء نتيجة التعرض المستمر لأحماض المعدة.

وتخلص الدراسات الحديثة إلى أن التحكم في عوامل الخطر، مثل الارتجاع المزمن، ومتابعة الفحوصات الطبية الدورية، قد يساهم بشكل كبير في تقليل احتمالية تطور المرض، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للإصابة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.