الصحة والسلامة المهنية بالمغرب: فجوة بين قوة النصوص وضعف التطبيق

0

مناسبة اليوم العالمي للصحة والسلامة في مكان العمل، الذي يصادف 28 أبريل من كل سنة، تعود النقاشات في المغرب إلى الواجهة حول واقع الحماية داخل بيئة العمل، في وقت تؤكد فيه الهيئات النقابية أن الفجوة ما تزال قائمة بين النصوص القانونية المتقدمة والتطبيق الفعلي على أرض الواقع.

ويُحيي هذا اليوم، الذي اعتمدته منظمة العمل الدولية منذ سنة 2003، ذكرى ضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، كما يشكل مناسبة لتجديد المطالب الرامية إلى تحسين شروط السلامة والصحة المهنية لفائدة الشغيلة.

ورغم توفر إطار قانوني يُوصف بالمهم، يرى فاعلون نقابيون أن المنظومة الحالية تعاني من إشكال أساسي يتمثل في ضعف التفعيل وآليات المراقبة، في حين يعتبر آخرون أن النصوص نفسها تحتاج إلى مراجعة لتتلاءم مع المعايير الدولية المتجددة، خاصة في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بالأجور وظروف العمل.

في هذا السياق، اعتبر عادل عوين، عضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أن الوضع الحالي يكشف مفارقة واضحة بين التقدم التشريعي والواقع الميداني، مشيراً إلى أن المغرب راكم ترسانة قانونية مهمة إلى جانب انخراطه في اتفاقيات دولية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في التنفيذ والمراقبة.

وأوضح عوين أن فئات واسعة من العمال، خصوصاً في القطاع غير المهيكل، تشتغل في ظروف تفتقر لأبسط شروط السلامة، مبرزاً استمرار تسجيل حوادث شغل مرتفعة في قطاعات مثل البناء والفلاحة، إلى جانب ضعف التصريح بالأمراض المهنية، ما يحرم المتضررين من حقوقهم في التعويض والعلاج.

كما نبه إلى أن الصحة النفسية أصبحت جزءاً أساسياً من الصحة المهنية، لكنها لا تزال، حسب تعبيره، خارج أولويات السياسات العمومية، رغم تزايد الضغوط المهنية وتأثيرها المباشر على العاملين.

وشدد المتحدث على ضرورة الانتقال من منطق النصوص إلى منطق النتائج، عبر تعزيز آليات التفتيش وتوسيع خدمات طب الشغل، مع إدماج القطاع غير المهيكل ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، وإشراك الفاعلين الاجتماعيين في صياغة السياسات المرتبطة بالصحة والسلامة المهنية.

من جهته، يرى علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، أن الإطار القانوني المغربي يحتاج إلى مزيد من الملاءمة مع المعايير الدولية، في ظل تسجيل ارتفاع مستمر في حوادث الشغل والأمراض المهنية، بما فيها الاضطرابات النفسية.

وانتقد لطفي ما اعتبره ضعفاً في دور الوزارة الوصية في مجالات المراقبة والحماية، مشيراً إلى تفاقم مظاهر الضغط المهني والتحرش النفسي والجنسي، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالتسريح من العمل في بعض الحالات.

كما دعا إلى تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 187، إلى جانب تسريع تنزيل القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية، ومراجعة آليات التعويض المرتبطة بحوادث الشغل والأمراض المهنية، بما فيها الاضطرابات النفسية.

ولفت المسؤول النقابي إلى تزايد الضغوط داخل قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، إلى جانب استمرار ارتفاع نسب الحوادث في قطاعات البناء والصناعة والفلاحة، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة السلامة المهنية.

وختم لطفي بالتأكيد على أن ترسيخ ثقافة السلامة داخل أماكن العمل لا ينبغي أن يُنظر إليه كالتزام قانوني فقط، بل كاستثمار استراتيجي ينعكس على الإنتاجية ويحمي رأس المال البشري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.