نظام التأمين الجديد: المواطن أولاً والأموال لاحقًا

0

حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أن بعض المقتضيات الواردة في مشروع القانون رقم 54.23 قد تقيّد حق المواطنين في الحصول على العلاج، مشدداً على ضرورة إزالة ما يعرف بـ”الحقوق المغلقة” التي تمنع المؤمنين من الولوج إلى الخدمات الصحية في حال تأخرهم عن دفع الاشتراكات. واعتبر المجلس أن هذا الإجراء يشكل عائقاً أمام تحقيق العدالة الصحية، داعياً إلى إرساء نظام يضمن الحق في العلاج كحق مقدس وغير مشروط لكل المواطنين.

وأكد المجلس على أن تطبيق التوجيهات الملكية السامية يتطلب تمكين المواطنات والمواطنين من الولوج إلى العلاجات الأساسية والتغطية ضد المخاطر الصحية الجسيمة، مع إيجاد آليات لتحصيل الاشتراكات بطريقة لا تعرقل المسار العلاجي للمريض. وفي هذا الإطار.

اقترح المجلس إحداث “آلية سيادية مستقلة” مخصصة حصرياً لتحصيل اشتراكات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بهدف فصل إدارة التمويل عن تقديم الخدمات الصحية. وتمنح هذه الآلية صلاحيات قانونية واسعة للجوء إلى مساطر التحصيل الإلزامي عند الحاجة، لضمان استدامة التمويل وسد الثغرات التي تؤدي إلى عجز الصناديق.

وشدد المجلس على أهمية حماية الحقوق المكتسبة للمؤمنين خلال مرحلة الانتقال نحو الهيئة الموحدة، وضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية دون انقطاع. كما اعتبر أن إنشاء نظام معلوماتي وطني موحد وحماية البيانات الصحية يمثلان صمام أمان لبناء ثقة المواطنين في هذا الإصلاح الكبير.

وأكد خبراء المجلس أن التوازن بين “المرونة في الولوج للعلاج” و”الصرامة في التحصيل السيادي” هو السبيل لإنهاء الاختلالات البنيوية في الأنظمة السابقة وضمان عدالة اجتماعية حقيقية، بحيث تبقى صحة المواطن فوق أي اعتبار إداري أو تقني.

كما نبهوا إلى مخاطر توحيد الأنظمة دون إصلاحات هيكلية، محذرين من أن نقل صناديق تعاني عجزاً بنيوياً، مثل الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS)، إلى الهيئة الموحدة دون دراسة اكتوارية شاملة قد يهدد استدامة المنظومة. وأكد المجلس على ضرورة إعداد دراسة اكتوارية تمتد لعشرين عاماً لتحديد حجم التحويلات المالية المطلوبة وضمان بقاء النظام مالياً.

ولفت المجلس الانتباه إلى دور جمعيات التعاضد كشريك استراتيجي في التغطية الصحية التكميلية، داعياً إلى إعادة تأهيل هذا القطاع وتوسيع عروضه لتشمل الرعاية للأصول، بالإضافة إلى تعزيز برامج الوقاية والتربية الصحية، لتخفيف العبء عن النظام الأساسي وتحسين جودة حياة المؤمنين.

وفي سياق الرقمنة، شدد المجلس على أهمية الأمن السيبراني، محذراً من مخاطر دمج نظم معلوماتية مختلفة دون رقابة صارمة لحماية البيانات الصحية الحساسة. وطالب بإخضاع النظام الموحد لافتحاص دوري من قبل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لضمان عدم تعرض المعلومات الطبية لأي اختراق أو سوء استخدام.

كما دعا المجلس إلى تبني سياسة محكمة للأدوية، تشمل مراجعة دورية للأسعار وتشجيع استخدام الأدوية الجنيسة، مشيراً إلى أن التحكم في “فاتورة الدواء” يمثل رافعة أساسية لترشيد نفقات التأمين الإجباري. واقترح المجلس اعتماد “هدف وطني لنفقات التأمين” يصادق عليه البرلمان سنوياً ضمن قانون المالية، لضمان إدارة مسؤولة واستباقية لتطور النفقات الصحية في المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.