الصحة النفسية في بيئة العمل: منصة “MH First” خطوة نحو دعم مؤسساتي متكامل

0

في ظلّ تنامي الوعي بأهمية الصحة النفسية داخل فضاءات العمل، تبرز مبادرة إطلاق منصة “الصحة النفسية أولاً MH First” بكلية علوم التربية بالرباط، باعتبارها خطوة نوعية تعكس تحوّلًا ملحوظًا في مقاربة قضايا الرفاه النفسي داخل الوسط المهني.

فلم تعد الصحة النفسية شأنًا فرديًا معزولًا، بل أضحت اليوم مسؤولية مؤسساتية تستدعي إدماج آليات واضحة للدعم والمواكبة، بما يضمن بيئة عمل متوازنة تجمع بين الإنتاجية والبعد الإنساني.

ويأتي إطلاق هذه المنصة في سياق سعي كلية علوم التربية التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط إلى تكييف تجربة بلجيكية رائدة مع الخصوصيات المغربية، في إطار دينامية متواصلة لتعزيز الاهتمام بالصحة النفسية. وقد بدأ هذا الانخراط منذ جائحة كوفيد-19، حين أحدثت الكلية خلية للدعم النفسي لفائدة الطلبة، قبل أن تتوسع خدماتها تدريجيًا لتشمل عموم المواطنين، استجابة للإقبال المتزايد على محتوى الصحة النفسية عبر الإنترنت، والذي يفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة والموثوقية.

مقاربة وقائية ورقمية

في هذا الإطار، أوضح رئيس شعبة علم النفس التربوي بكلية علوم التربية بالرباط، حمزة شيبانو، أن انخراط الأساتذة وخلية الدعم النفسي وعمادة الكلية في تطوير ممارسات مهنية قائمة على الأدلة العلمية والابتكار، مكّن من استثمار دروس مرحلة الحجر الصحي، خاصة ما يتعلق بأهمية الرقمنة في نشر الوعي النفسي وتعزيز التثقيف في هذا المجال.

وأشار إلى أن منصة “الصحة النفسية أولاً” أُطلقت في الأصل ببلجيكا من قبل مؤسسات متخصصة، قبل أن يتم تكييفها مع السياق المغربي بتعاون مع خبراء نفسيين بلجيكيين، بهدف توفير محتوى علمي دقيق وخدمات تدخل وقائي، ضمن فضاء رقمي مبسط يسهل الولوج إليه.

وأضاف أن التحولات التي يعرفها عالم الشغل تفرض إيلاء اهتمام متزايد بما يُعرف بـ”الرأسمال النفسي” للعاملين، من خلال تطوير مهارات التعامل مع الضغط، وتنظيم الوقت، وتدبير العلاقات المهنية، إلى جانب تعزيز قدرات الحوار وحل النزاعات. كما تم، بالموازاة مع إطلاق المنصة، تنظيم ورشات تكوينية أطرها خبراء وأساتذة باحثون، قصد ملاءمة هذه المبادرة مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية الوطنية.

الاحتراق النفسي وتحديات بيئة العمل

من جانبه، شدد الأخصائي النفسي الإكلينيكي فيصل طهاري على أن الصحة النفسية للمهنيين لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، بل تشكل عنصرًا حاسمًا في تحسين الأداء والإنتاجية. فتوفر الكفاءات التقنية وحده لا يكفي، إذا كان العامل يعاني من اضطراب نفسي يؤثر على تركيزه وتوازنه.

وأشار إلى أن العديد من الدراسات الدولية تحذر من تنامي ظاهرة “الاحتراق النفسي” (Burn-out)، باعتبارها أحد أبرز أشكال التوتر المهني الحاد، حيث تتداخل فيها أعراض القلق والاكتئاب، وقد تصل في بعض الحالات إلى مستويات خطيرة.

وأضاف أن الضغوط المهنية، إلى جانب الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، تزيد من هشاشة الوضع النفسي للعاملين، مما ينعكس سلبًا على مردوديتهم، في وقت تتزايد فيه متطلبات الإبداع والأداء العالي داخل المؤسسات.

وفي هذا السياق، يبرز الرهان على تعزيز المبادرات التحسيسية داخل أماكن العمل، وإرساء آليات دائمة للمواكبة النفسية، مع الاستئناس بالتجارب الدولية التي اعتمدت إدماج أخصائيين نفسيين داخل المؤسسات، إلى جانب أطباء وممرضي الشغل. فوجود “أخصائي نفسي للعمل” من شأنه أن يوفر فضاءً للإنصات والتوجيه، ويساهم في الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية، بما يحد من تفاقمها ويحافظ على توازن العاملين وجودة أدائهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.